UNDP
POGAR

برنامج إدارة الحكم في الدول العربية: التقرير السنوي 2004: الإنتخابات - الجزائر

مقدمة
جرت في الجزائر في الثامن من نيسان / أبريل 2004 ثالث إنتخابات تعدّديّة رئاسيّة تشهدها البلاد منذ الانفتاح السياسيّ الذي انطلق عام 1989. وجاءت الدعوة إلى هذه الإنتخابات عبر مرسوم رئاسيّ صدر في 07-02-2004 وقّعه الرئيس الجزائريّ عبد العزيز بوتفليقة - انتخب في 15 نيسان/أبريل 1999 وتنتهي ولايته في 27 نيسان / أبريل 2004 - وبموجب المادّة 154 من القانون الأساسيّ المتعلّق بالنّظام الإنتخابي التي تنصّ على استدعاء الهيئات الناخبة قبل 60 يوماً من تاريخ الإقتراع.

وعلى إثر المرسوم الذي حدّد موعد الإنتخابات، بدأت ملامح المنافسة الإنتخابية في الجزائر ترتسم بوضوح. وظهر جليّاً أنّ التحالفات السياسيّة قد وضعت لبنتها الأولى بقيام "التحالف الرئاسيّ" الذي يدعم إعادة إنتخاب الرئيس عبد العزيز بو تفليقة، ويضمّ كلاًّ من: التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ بزعامة رئيس الوزراء أحمد أو يحيى، وحركة مجتمع السِّلم (حمس) بقيادة أبو جرّة سلطانيّ، و"الحركة التصحيحيّة" لجبهة التحرير الوطنيّ بزعامة عبد العزيز بلخادم. حيث وقّعوا "ميثاق تحالف رئاسيّ" غير قابل للتوسّع يتضمّن ثمانية بنود بينها دعم إنتخاب الرئيس بوتفليقة لولاية ثانية، والتحالف في الإنتخابات التشريعيّة المقبلة عام 2007، والتنسيق في البرلمان في مجال سنّ التشريعات، والتنسيق في مجال عمل مؤسّسات المجتمع المدنيّ، إضافة إلى التحالف داخل الدوائر السياسيّة للحكم أفقيّاً وعموديّاً. وتزامن مع توقيع "ميثاق التحالف الرئاسيّ" إعلان شخصيّات سياسيّة عزوفها عن الترشيح للإنتخابات، منها: مولود حمروش، وأحمد بن بيتور، ورضا مالك، ورشيد بن يلس، وشريف بلقاسم. وكانت هذه الشخصيّات الخمس، إضافةً إلى خمس شخصيّات أخرى قد شكّلت ما عُرف باسم "مجموعة العشرة"، طالبت باستقالة الحكومة، واستبدالها بأخرى تشرف على الإنتخابات الرئاسيّة. وقد برّر الجنرال المتقاعد رشيد بن يلس - الأمين العام الأسبق لوزارة الدفاع - انسحابه من السّباق الرئاسيّ بعدم رغبته إعطاء المجلس الدستوريّ شرف منعه من الترشيح. واتّهم بن يلس "الرئيس (بوتفليقة) ومحيطه بأنّهم يستبيحون كل شيء من أجل الفوز بفترة ثانية، ومن ذلك اللجوء إلى التهديد، والتخويف، والارتشاء... وأنّ الحكومة تحوّلت إلى هيئة أركان تسيّر الحملة الإنتخابية للرئيس بو تفليقة". واتّخذ رئيس الحكومة السابق مقداد سيفي الموقف نفسه، وأعلن انسحابه من السباق الرئاسيّ قبل أن يقدّم طلب ترشيحه إلى المجلس الدستوريّ.

وقبيل تقديم طلبات الترشيح رسمياً إلى المجلس الدستوريّ الذي يدقّق بمدى مطابقة الطلبات للقوانين واللوائح الإنتخابية، نشط المرشّحون المحتملون والقوى التي تدعمهم، أو تتحالف معهم، في جمع التواقيع التي يفرضها قانون إنتخاب رئيس الجمهوريّة في الجزائر، وهي عبارة عن "قائمة تتضمّن 600 توقيع على الأقلّ لأعضاء منتخبين داخل مجالس بلديّة، أو ولائيّة، أو برلمانيّة، وموزّعة عبر 25 ولاية على الأقل" أو "قائمة تتضمّن 75 ألف توقيع فرديّ - على الأقل - لناخبين مسجّلين في القائمة، ويجب أن تجمع عبر 25 ولاية على الأقل". علماً أنّ المجلس الدستوريّ يدقّق في صحّة التوقيعات باستعمال الحاسب الآليّ، حيث يتمّ استبعاد توقيعات المواطنين غير المسجّلين في قوائم الناخبين، وكذلك التوقيع لأكثر من مرشّح. ويعتبر هذا الشرط من

أشدّ الشروط التي يتطلّبها طلب الترشيح الذي يتضمّن أيضاً تقديم مستندات أخرى، أهمها التصريح بعدم حيازة المرشّح لجنسيّة أخرى، وتصريح بالممتلكات العقاريّة والمنقولة داخل الجزائر وخارجها، إضافة إلى شهادة تثبت المشاركة في ثورة أوّل تشرين الثاني / نوفمبر 1954 للمرشّح المولود قبل أوّل تمّوز - يوليو 1942، أو شهادة تثبت عدم تورّط والدَي المرشّح المولود بعد أوّل تموز - يوليو 1942 في أعمال مناهضة لثورة تشرين الثاني / نوفمبر 1954.

وبعد شدّ وجذب سياسيّ موضوعه الإنتخابات الرئاسيّة، والتي عاشت الجزائر على وقعه طوال شهري كانون الأوّل / يناير وشباط / فبراير، وتخلّله إعلان نوايا عن خوض المعركة الرئاسيّة، أو العزوف عنها طال رؤساء حكومات سابقين، وشخصيّات سياسيّة، وجنرالات متقاعدين، رست طلبات الترشيح التي أودعت ملفّاتها لدى المجلس الدستوريّ عند انتهاء مهلة الترشيح في منتصف ليل 23-02-2004 على تسعة مرشّحين من بينهم امرأة واحدة. وأعلن رئيس المجلس الدستوريّ محمد بجاوي أنّ المجلس سيدقّق في استيفاء كل مرشّح للشروط المطلوبة، وعلى رأسها توقيعات الناخبين من المواطنين، أو المنتخبين في المجالس المحليّة أو البرلمان وذلك بالاستعانة بـ200 قاض وموظّف. كما أعلن أسماء المرشّحين الذين أودعوا ملفّاتهم لدى المجلس، وهم: عبد العزيز بوتفليقة، وعلي بن فليس الأمين العام لجبهة التحرير الوطنيّ، وعبد الله جاب الله رئيس حركة الإصلاح، وفوزي رباعين رئيس عهد 54، وموسى تواتي رئيس الجبهة الوطنيّة الجزائريّة، وسعيد سعدى رئيس التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطيّة، وأحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجيّة الأسبق، وأحمد غزالي رئيس الحكومة الأسبق، إضافة إلى السيدة لويزة حنّون زعيمة حزب العمّال والناطقة الرسميّة باسمه. وتجدر الإشارة إلى أنّ وزارة الداخليّة الجزائريّة رفضت منح الرجل الثاني في الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ المحظورة علي بلحاج استمارة الترشّح للإنتخابات الرئاسيّة بحجّة "أنّه يخضع لقائمة ممنوعات تحظر عليه ممارسة العمل السياسيّ". وقد ردّ بلحاج على هذا المنع بعرض برنامجه السياسيّ للإنتخابات الرئاسيّة معتبراً أنّ منعه يُعدّ "تعسّفاً ومظلمة أخرى" في حقّه، لأنّ الممنوعات التي أبلغ بها ساعة الإفراج عنه لم تصدر في الحكم الأصليّ لذا هي مخالفة للقانون، ولا يعترف بها. في حين رأى رئيس الحكومة أحمد أو يحيى "محاولة ترشّح علي بلحاج مسألة لا تستحقّ التعليق"، و"ما كان يجب أن يقابل به هو أن تقوم عناصر الأمن بإخراجه خارج قصر الحكومة، وقد قامت بذلك".

أعلى الصفحة الحالية

المرشحون
قبل مضيّ عشرة أيّام، وهي المهلة القانونيّة لدراسة ملفّات المرشّحين بعد إيداعها المجلس الدستوريّ وإقفال باب الترشيح، أعلن رئيس المجلس الدستوريّ محمد بجاوي في 02-03-2004 القائمة النهائيّة للمرشّحين المقبولين لخوض سباق الإنتخابات الرئاسيّة في الثامن من نيسان / أبريل 2004. وقد حملت القائمة النهائيّة ثلاث مفاجآت: الأولى، إقصاء كلّ من رئيس الحكومة الأسبق سيّد أحمد غزالي، ورئيس الجبهة الوطنيّة الجزائريّة موسى تواتي عن السباق الرئاسيّ لعدم قدرة كلّ منهما على جمع 75 ألف توقيع من المواطنين، أو 600 توقيع لأعضاء منتخبين في مجالس بلديّة أو ولائيّة أو برلمانيّة. وهو الشرط الأساسيّ لقبول ملفّ أيّ مرشح. وقد اعتبر غزالي قرار المجلس الدستوريّ بمثابة الإقصاء الثالث له عن الحياة السياسيّة، فيما كان الأوّل هو إقصاءه عن الترشّح للرئاسة أيضاً في العام 1999، والثاني حرمانه من تأسيس حزب سياسيّ شرعي. وفسّر غزالي هذه الإقصاءات بانتمائه إلى منطقة الغرب الجزائريّ، حيث ينتمي الرئيسي الجزائريّ عبد العزيز بوتفليقة، ما يحرم الأخير جزءاً هامّاً من أصوات النّاخبين في جهة الغرب الجزائريّ الذي يمثّل ثقلاً لا يستهان به في الخيارات الرئاسيّة. أما المفاجأة الثانية التي كشف عنها قرار المجلس الدستوريّ، فهي قبول ملفّ المرشّح فوزي رباعين رئيس حزب عهد 54، بحكم أنّه ليس معروفاً على الساحة السياسيّة، وليس له أيّ تمثيل في البرلمان أو المجالس المحليّة أو الولائيّة. وكانت المفاجأة الثالثة هي إقصاء المجلس الدستوريّ وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي أحد أهمّ مرشّحي الرئاسة في إنتخابات نيسان/أبريل 1999، وأحد المرشّحين الستّة الذين انسحبوا من الاستحقاق الرئاسيّ قبل يوم واحد من تاريخ الإقتراع ليبقى الرئيس الجزائريّ عبد العزيز بوتفليقة وحيداً في السباق الرئاسيّ. ورغم ذلك فقد حلّ الإبراهيميّ في المرتبة الثانية بعد الرئيس بوتفليقة، وحصل على مليون ونصف مليون صوت. وقد رفض الإبراهيميّ الاعتراف بأنّه "لم يتمكّن من تقديم ملفّ ترشّح كامل مستوفٍ للشروط"، معتبراً أنّ قرار المجلس الدستوريّ "إقصاء بدافع سياسيّ لا غير". وأعاد إلى الأذهان رفض الحكومة إعطاءه ترخيصاً بتأسيس حزب سياسيّ تحت اسم "حركة الوفاء والعدل" بحجّة أنّ الكثير من أعضائها المؤسّسين أعضاء قياديّين سابقين في الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ المحظورة" حسبما أعلن وزير الداخليّة الجزائريّ يزيد زرهوني.

وبإعلان قرار المجلس الدستوريّ، رست لائحة المتنافسين على رئاسة الجمهوريّة على ستّة مرشّحين هم: الرئيس الحاليّ عبد العزيز بوتفليقة، والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطنيّ علي بن فليس، ورئيس حركة الإصلاح الوطنيّ (إسلاميّة) عبد الله جاب الله، والأمينة العامّة لحزب العمال (يساريّ تروتسكي) لويزة حنّون، ورئيس التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطيّة سعيد سعدي، ورئيس حزب عهد 54 فوزي رباعين. فمن هم هؤلاء المرشّحون؟

1- الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (المنتهية ولايته): ولد الرئيس بوتفليقة في الثاني من آذار/مارس 1937 في وجدة (شرق المغرب) من عائلة تتحدّر من تلمسان (الغرب الجزائريّ)، وانخرط مبكراً عام 1956 بصفوف جيش التحرير الوطنيّ للمشاركة في الحرب ضد الاستعمار الفرنسيّ. وأصبح في العام 1960 عضواً في هيئة أركان الثورة في المغرب قبل أن يوفد إلى جمهورية مالي للإشراف على تنظيم الثورة في الحدود الجنوبيّة للجزائر. وبعد استقلال البلاد عام 1962 انتخب نائباً لمدينة تلمسان في أوّل مجلس تأسيسيّ وطنيّ، ومن ثم أصبح وهو في الخامسة والعشرين من عمره وزيراً للشباب والرياضة في عهد الرئيس أحمد بن بلّة (1963-1965). وفي العام 1963 تولّى بوتفليقة وزارة الخارجيّة، وانتخب عضواً في اللجنة المركزيّة والمكتب السياسيّ لجبهة التحرير الوطنيّ. وكان طرفاً رئيسيّاً في الانقلاب على صديقـه الرئيـس أحمد بن بلّة عام 1964 ليعيّن عضواً في مجلس قيادة الثورة بقيادة هوّاري بومدين. وقاد بوتفليقة - الذي يعتبر أبرز دبلوماسيّي جيله - الديبلوماسية الجزائريّة من 1963 حتى 1978 بمواهب أقرّ له بها الجميع، بما في ذلك خصومه في عهد كانت الجزائر تلقّب بـ"مكّة الثوريّين". وبعد وفاة هوّاري بو مدين في كانون الأوّل/ديسمبر 1978 أقصي بوتفليقة عن السلطة، وتعرّض لملاحقة قضائيّة عبر مجلس المحاسبة بتهمة نهب "الصناديق السوداء" لوزارة الخارجيّة والمخصّصة لتمويل حركات التحرّر في العالم، ولم يتولّ منذ تموز/يوليو 1981 أيّ منصب سياسيّ، كما رفض بعد إلغاء المسار الإنتخابي عام 1992 تولّي منصب مستشار بدرجة وزير لدى المجلس الأعلى للدولة (هيئة الحكم المؤقّت بعد تنحّي الرئيس الشاذلي بن جديد). ورفض أيضاً تمثيل الجزائر لدى الأمم المتّحدة. وفي العام 1994 كان على وشك الاتفاق مع المؤسّسة العسكريّة لتولّي منصب رئيس الدولة، ولكنّه تراجع في اللحظة الأخيرة ليتولاّها محلّه الفريق اليمين زروال. وفي نيسان/أبريل 1999 عاد بوتفليقة - الذي يعتبر من أبرز وجوه جيل الثورة الناشطين حاليّاً في الميدان السياسيّ - ليترشّح للإنتخابات الرئاسيّة مدعوماً من المؤسّسة العسكريّة التي كانت دائماً الراعي التقليديّ للسياسة الجزائريّة. وعشيّة الإنتخابات انسحب المرشّحون الستة الآخرون احتجاجاً على التزوير، فوجد بوتفليقة نفسه مرشّحاً وحيداً وفاز برئاسة الجمهوريّة. والمعروف عن الرئيس بوتفليقة تفضيله الرؤية الليبراليّة لإنعاش الاقتصاد، ورفضه الاعتماد على القطاع الحكوميّ. وعلى هذه الخلفيّة وقّع كلّ المراسيم التي تصبّ في خانة تحرير الاقتصاد الجزائري كما صادق خلال فترة رئاسته على عفو رئاسيّ طال الآلاف من عناصر الجماعات الإسلاميّة المسلّحة في سياق رؤية للمصالحة الوطنية أطلق عليها اسم "الوئام المدنيّ". ويجيد بوتفليقة بطلاقة اللغتين: العربية بشقّيها الفصيح والعاميّ، والفرنسيّة. ويتمتّع بمواهب خطابيّة لافتة، إلاّ أنّه يفضّل التحدّث باللغة الفرنسيّة في المؤتمرات والندوات ما جعله عرضة للكثير من الانتقادات.

2- علي بن فليس: ولد بن فليس في الثامن من أيلول/سبتمبر 1944 في مدينة باتنة (شرق الجزائر) لعائلة ميسورة، وبعد حصوله على الشهادة الثانويّة التحق بكليّة الحقوق في الجزائر، وتخرّج فيها عام 1968 بعد نيله إجازة في القانون. دخل سلك القضاء، وعيّن قاضياً حتّى العام 1969 حيث عيّن مديراً مساعداً لشؤون الطفولة المنحرفة، ومن ثمّ مديراً لقسم إعادة التأهيل عام 1970. وعاد بن فليس إلى سلك القضاء عام 1971 حين تولّى منصب النّائب العام في محكمة قسنطينة ليتركه عام 1974 وليفتح مكتب محاماة خاصّ في مسقط رأسه باتنة. وفي العام 1986 كان بن فليس أحد مؤسّسي "الرابطة الجزائريّة لحقوق الإنسان" التي أضفى عليها الشرعيّة الرئيس السّابق الشاذلي بن جديد (1979-1992) لقطع الطريق على الرابطة الجزائريّة للدفاع عن حقوق الإنسان التي شكّلها المحامي عبد النور علي يحيى غير المعترف بها. وإثر اضطرابات تشرين الأول/اكتوبر 1988 التي أرّخت لنهاية الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطنيّ) عيّن علي بن فليس وزيراً للعدل في حكومة قاصدي مرباح، وهو المنصب الذي شغله أيضاً في حكومة مولود حمروش، ثمّ في حكومة سيّد أحمد غزالي التي شكّلت أثناء إعلان حالة الطوارئ في حزيران/يونيو 1991 إثر نزول الجبهـة الإسلاميّة للإنقاذ إلى الشارع. وقد استقال بن فليس من حكومة غزالي إثر رفضه - بصفته وزيراً للعدل - المصادقة على قانون يجيز الاعتقالات، وإقامة مراكز اعتقال في الصحراء، ليعود للعمل في إطار جبهة التحرير الوطنيّ التي كان عضواً في لجنتها المركزيّة منذ كانون الأوّل / ديسمبر 1989. وعلى أبواب الاستحقاق الرئاسيّ عام 1999، وبناءً على اقتراح من الأمين العام السّابق لجبهة التحرير بو علاّم بن حمّودة عيّن علي بن فليس مديراً للحملة الإنتخابية للمرشّح آنذاك عبد العزيز بوتفليقة الذي عيّنه بعد تولّيه الحكم (نيسان/إبريل 1999) مديراً لديوان رئاسة الجمهوريّة، ومن ثمّ كلّفه تشكيل الحكومة بعد استقالة رئيس الحكومة السّابق أحمد بن بيتور في 26 آب/اغسطس 2000. وأثناء تولّيه رئاسة الحكومة انتخب بن فليس أميناً عامّاً لجبهة التحرير الوطنيّ عام 2001، وحقّق فوزاً كاسحاً في الإنتخابات التشريعيّة التي جرت في أيّار/مايو 2002 بحصول جبهة التحرير الوطنيّ الجزائريّة على 199 مقعداً في البرلمان من أصل 389 مقعداً. كما أحرز نصراً جديداً في الإنتخابات البلديّة والولائيّة التي شهدتها الجزائر في خريف العام نفسه حين حصدت جبهة التحرير الوطنيّ 668 مجلساً شعبيّاً بلديّاً من أصل 1541 على المستوى الوطنيّ، و43 مجلساً شعبيّاً ولائيّاً من أصل 48. إلاّ أنّ الصدام ما لبث أن وقع بين علي بن فليس رئيس الحكومة وأمين عام جبهة التحرير الوطنيّ، والرئيس الجزائريّ عبد العزيز بوتفليقة، حين رفض الأوّل تحويل جبهة التحرير الوطنيّ، وهو حزب الغالبيّة البرلمانيّة، إلى لجنة مساندة لترشيح الرئيس بوتفليقة لولاية رئاسيّة ثانية. وقد أدّى هذا الخلاف إلى إقالة علي بن فليس من رئاسة الحكومة مطلع أيّار/مايو 2003 ليتحوّل بعد ذلك إلى أبرز منافسي الرئيس بوتفليقة في إنتخابات الرئاسة الجزائريّة. وكان تفضيل بن فليس لاستقلاليّة جبهة التحرير الوطنيّ عن دوائر الوصاية السياسيّة، قد تسبّب له في متاعب كثيرة، أهمّها الهجوم على مقرّات الجبهة، وقيام مؤيّدين للرئيس الجزائريّ بحملة تشهير ضدّه منذ مطلع حزيران/يونيو 2003 رافقها قرار قضائيّ بإلغاء المؤتمر العام للجبهة وتجميد نشاطها وأرصدتها، وتوّجت هذه الحملة في قيام "حركة تصحيحيّة" هي عبارة عن انشقاق ضمّ مؤيّدي الرئيس بوتفليقة. من جهة أخرى، أدّت القطيعة بين الرجلين إلى تصليب خطاب بن فليس، فلم يتردّد في التنديد بـ"التجاوزات ذات الطابع الملكيّ لبوتفليقة"، واتّهمه بـ"احتكار السلطة"، و"عدم قدرته على أن يقود الجزائر إلى الحداثة". وبموازاة ذلك، رفض بن فليس تعديل قانون الأسرة المعمول به في الجزائر، والمستمدّ من الشريعة الإسلامية، من دون عرضه على قوى وفعاليّات المجتمع الجزائريّ. ودافع بشدّة عن استقلاليّة القضاء. في حين تبنّى نظرة اقتصادية محافظة تراعي الأوضاع الاجتماعيّة، ووقف وراء تعطيل المشاريع الهادفة إلى تحرير قطاع النفط، وأخضع هيئات الخصخصة إلى رقابته المباشرة كرئيس حكومة. وبالمقابل، دعا بن فليس إلى مبادئ الحكم الراشد، وبالأخصّ الشفافيّة، ودمقرطة الحياة السياسيّة، وتمسّك بشدّة بالدفاع عن حريّة الصحافة حين كان وزيراً للعدل، أو رئيساً للوزراء، وهو يعتبر من أشدّ المدافعين عن التعريب في الإدارة الجزائرية، ولا يلقي خطبه إلا باللغة العربيّة.

3- الشيخ عبد الله جاب الله: هو من بين المرشّحين الستّة إلى الرئاسة الجزائريّة، وينفرد بصفة الإسلاميّ الأصوليّ كونه يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلاميّة. والشيخ جاب الله (48 سنة) المولود في سكيكدة (الشرق الجزائريّ) انخرط مبكراً في العمل السياسيّ ضمن التيّار الإسلاميّ، وأسّس سرّاً عام 1974 (وكان لا يزال طالباً في كلية الحقوق في جامعة قسنطينة) مجموعةً تهدف إلى إقامة دولة إسلاميّة في الجزائر في عهد الحزب الواحد جبهة التحرير الوطنيّ، ما أدّى إلى حرمانه من حقوقه المدنيّة عام 1979، واعتقاله مرّتين في العام 1982 و1985. ثمّ ما لبث، قبل اضطرابات 1988 التي أدّت إلى انهيار نظام الحزب الواحد، أن أسّس جمعيّة النهضة الثقافيّة التي حوّلها بعد ذلك إلى حركة سياسيّة. وبعد إلغاء الجولة الثانية من الإنتخابات التشريعيّة، التي فازت بجولتها الأولى الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ في عام 1991، أسّس "الحركة من أجل الدفاع عن خيار الشعب" بهدف فرض الاعتراف بنتائج الإنتخابات. وفي العام 1999 ترشّح جاب الله للإنتخابات الرئاسيّة باسم حركة الإصلاح الوطنيّ التي أسّسها بعدما أطاح بحزبه الأول حركة النهضة التي دعمت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة حينها. والمعروف عن الشيخ عبد الله جاب الله معارضته تعديل قانون الأسرة الذي يطالب بإلغائه معظم الأحزاب السياسيّة والمنظّمات النسائيّة لأنّه "يجعل النساء خاضعات للرجال مدى الحياة". وعلى خلفيّة وفائه للتعاليم القرآنيّة - على حدّ قوله - لا يتردّد جاب الله في التنديد بالأنماط والمفاهيم الغربيّة في المجتمع الجزائريّ التي يراها ممثّلة بالاتّجاهات الإصلاحيّة التربويّة، والدعوة للمساواة بين المرأة والرجل، إضافة إلى برامج التلفزيون، ووجود الحانات واستهلاك الخمور. وقاد الشيخ جاب الله حركة الإصلاح في استحقاقين إنتخابيين: الأول، الإنتخابات التشريعيّة في 30-05-2002 حيث حلّت حركة الإصلاح في المرتبة الثالثة في ثاني إنتخابات تعدّدية، وحصلت على 43 مقعداً في المجلس الشعبيّ الوطنيّ (البرلمان) من أصل 389. والاستحقاق الثاني الذي خاضته حركة الإصلاح بقيادة الشيخ جاب الله كانت إنتخابات المجالس الشعبيّة المحليّة (البلديّة والولائيّة)، واستطاعت في خلالها السيطرة على 39 بلديّة وولاية واحدة لتحتلّ بذلك المرتبة الرابعة بعد جبهة التحرير الوطنيّ، والتجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ، وجبهة القوى الاشتراكيّة.

4- لويزة حنّون: في سابقة هي الأولى من نوعها، استطاعت لويزة حنّون (50 عاماً) أن تجعل من نفسها أوّل امرأة تخوض السّباق الرئاسيّ في تاريخ الجزائر. وكانت حنّون قد بدأت مسيرتها السياسيّة في العمل السرّي ضد النظام السياسيّ للحزب الواحد المتمثّل بجبهة التحرير الوطنيّ الجزائريّة، ما أدّى إلى سجنها ستّة أشهر عام 1983 بتهمة المساس بأمن الدولة. وبوصولها إلى قيادة حزب العمّال (يساريّ - تروتسكيّ) عام 1990 عُرفت لويزة حنّون بحزمها القويّ، ونشاطها الدؤوب في الدفاع عن قضايا المرأة، ومناداتها بضرورة إلغاء قانون الأسرة المعمول به حالياً في الجزائر (الصادر 1984) لجعله المرأة "قاصرة مدى الحياة" على حدّ تعبيرها. ولويزة حنّون - الشخصيّة الرمز لليسار الجزائريّ، والناطقة باسم حزب العمّال - تعتبر من أشدّ المتحمّسين إلى قيام "ديمقراطيّة من دون نظام عسكريّ أو إسلاميّ". كما تدعو إلى حلّ الأزمة الجزائريّة بالطرق السياسيّة من مئة ألف قتيل منذ العام 1992، عبر حلّ تفاوضيّ يشمل الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ المحظورة منذ العام 1992. ولويزة حنّون خرّيجة كليّة الحقوق في جامعة عنّابة، تتمتّع بـ"كاريسما" غير عاديّة فسّرت على أنّها السبب وراء فوز حزبها بأربعة مقاعد في المجلس الشعبيّ الوطنيّ (البرلمان) في أوّل إنتخابات تشريعيّة تعدّدية جرت عام 1997. وما لبثت حنّون أن أثبتت جدارتها السياسيّة بقيادة حزبها (حزب العمّال) إلى نصر جديد تمثّل بفوزه بـ21 مقعداً في المجلس الشعبيّ الوطنيّ في ثاني إنتخابات تشريعيّة تعدّدية شهدتها الجزائر عام 2002. وإذا كانت حنّون قد أخفقت في نيسان / أبريل 1999 في جمع تواقيع 75 ألف ناخب، كما ينصّ القانون الإنتخابي حتى تستطيع إيداع ملفّ ترشّحها للرئاسة، فقد سجّلت في الإنتخابات الرئاسيّة 2004 أنّها المرأة الأولى التي تترشّح للرئاسة في الجزائر، والوحيدة التي تنافس خمسة رجال.

5- سعيد سعدي: يعتبر سعيد سعدي (57 عاماً) من مناضلي الحركة الامازيغية الأوائل، ومن أشدّ خصوم الإسلاميّين الداعين إلى قيام دولة إسلاميّة. فهو يدعو إلى قيام "جزائر حديثة على النمط الغربيّ، لكن متجذّرة في تقاليدها وعاداتها، تتبوّأ فيها الثقافة الأمازيغيّة مكانة مرموقة، وتمارس فيها المرأة حقوقها كاملة". كما يدعو سعيد سعدي، الطبيب النفسانيّ وزعيم التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطيّة، إلى تطبيق العلمانيّة، وفصل السلطات. وكان أوّل من دعا إلى تشكيل "لجنة إنقاذ الجزائر" التي طالبت بوقف المسار الإنتخابي غداة فوز الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ المحظورة في الجولة الأولى من الإنتخابات التشريعيّة في كانون الأوّل / ديسمبر 1991. ويعتبر مشروع الدولة الإسلاميّة مشروعاً "فاشيّاً" يهدف إلى قيام نظام "استبداديّ". وقد سعى سعدي جاهداً للتخلّص من التّهمة التي يلصقها به خصومه بوصفه "المثقّف الفرنكوفونيّ العلمانيّ المناهض للدّين، والبعيد عن حقائق الجزائر"، وذلك بالظهور بمظهر القائد الجماهيريّ الذي يتحدّث العربيّة والأمازيغيّة والفرنسيّة، مستخدماً تعابير دينيّة مفضَّلة لدى الجمهور. إلاّ أن مشاركة حزب سعيد سعدي في الائتلاف الحكوميّ بين عامي 1990 و2000 من خلال وزيرين نالت من صورته كحزب معارض - خصوصاً في منطقة القبائل - وأضعفت مكانته التي حاول استعادتها بالانخراط الفعّال في الدعوة إلى مقاطعة الإنتخابات التشريعيّة والإنتخابات البلديّة والولائيّة (عام 2002) التي شهدتها منطقة القبائل.

6- فوزي رباعين: يعتبر فوزي رباعين مؤسّس ورئيس حزب "عهد 54" أقلّ المرشّحين في الإنتخابات الرئاسيّة الجزائريّة شهرة. وهو يدعو إلى إقصاء "الخونة" الذين لم يشاركوا في حرب التحرير من السلطة، وكذلك "المفسدين" الذين "ليست أيديهم بيضاء"، ومكافحة تجاوز السلطات صلاحيّاتها، وإصلاح القضاء وفصله عن السلطة السياسيّة. ورباعين الذي يقدّم نفسه كمدافع عن "المستضعفين" و"المحرومين" من مؤسّسي أوّل رابطة لحقوق الإنسان (حزيران/يونيو 1985) الأمر الذي أدّى إلى سجنه مدّة 18 شهراً بتهمة "تشكيل جمعيّة غير شرعيّة". وكان قد سُجن قبلها من أيلول/سبتمبر 1983 إلى 1984 بتهمة "المسّ بأمن الدولة". ويقوم حزب "عهد 54" - إشارة إلى الأوّل من تشرين الثاني/نوفمبر 1954 تاريخ انطلاق حرب التحرير - على مبادئ "مؤتمر السومام" الذي عقد في آب / أغسطس 1956، في السهل الذي يحمل الاسم نفسه (بمنطقة القبائل شرق العاصمة الجزائرية) في أوج حرب التحرير، وكان أوّل مؤتمر دوّنت فيه "مبادئ الثورة الجزائريّة" الني انتهت باستقلال البلاد عام 1962. وكان رباعين المتمسّك بمبادئ حرب التحرير التي قتل خلالها والده، قد أسّس عام 1985 جمعيّة الجزائر، وأبناء الشهداء للدفاع عن حقوق أبناء وأسـر ضحايا الحرب. وحاول أن يترشّح للإنتخابات الرئاسيّة التي جرت عام 1999، لكنّه لم يتمكّن من جمع تواقيع 75 ألف ناخب كما ينصّ القانون الإنتخابي.

أعلى الصفحة الحالية

الحملة الإنتخابية والإقتراع
وفقاً لأحكام قانون إنتخاب رئيس الجمهوريّة في الجزائر، انطلقت الحملة الإنتخابية في 18-03-2004 واستمرّت 19 يوماً لتختتم في 05-04-2004 قبل يومين من موعد الإقتراع. علماً أنّ الحملة الإنتخابية تخضع وفق قانون الإنتخاب إلى جملة ممنوعات، منها: استعمال اللغات الأجنبية، واستعمال الإعلان التجاريّ بهدف الدعاية الإنتخابية، واستعمال الممتلكات أو الوسائل أو المؤسّسات أو الهيئات العموميّة في الحملة الإنتخابية. كما يمنع استخدام دور العبادة، ومؤسّسات التعليم لأغراض الدعاية الإنتخابية. في حين يمنح القانون كلّ مرشّح مدّة زمنيّة متساوية في وسائل الإعلام العموميّة، كالتلفزة والإذاعة. وحدّد القانون الإنتخابي ثلاثة مصادر لتمويل الحملة الإنتخابية، وهي: مساهمة الأحزاب السياسيّة، ومداخيل المرشّحين، ومساعدة محتملة من الدولة تقدّم على أساس جزافيّ نسبته 10 بالمئة من مصاريف المرشّح على أن لا تتعدّى قيمتها القصوى 15 مليون دينار جزائريّ.

وشهدت الحملة الإنتخابية عرضاً مكثّفاً للبرامج السياسيّة للمرشّحين الستّة للرئاسة الجزائريّة. ويمكن تلخيص الخطابات السياسيّة التي أطلقها المرشّحون بعنوانين رئيسيّين: الأوّل، "الاستمرارية والإصلاح" الذي يمثّله الرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة. والثاني، "التغيير" الذي أجمع عليه المرشّحون الخمسة الباقون. فطوال الحملة الإنتخابية التي جاب خلالها المرشّحون 48 ولاية لشرح مشاريعهم لمستقبل الجزائر عبر الندوات والمهرجانات الشعبيّة، ركَّز الرئيس المرشّح عبد العزيز بوتفليقة على فكرة التواصل والاستمراريّة بالتشديد على ضرورة تطوير مشروع "الوئام المدنيّ" الذي بدأه في كانون الثاني/ يناير 2000 إلى مصالحة وطنيّة. وفي هذا الإطار، كان بوتفليقة واضحاً في "مغازلته" الإسلاميّين عبر التأكيد على موقفه الرافض لفكرة "الاستئصال فكراً ومنهجاً" التي برزت - على حدّ قوله - بعد إلغاء المسار الإنتخابي في العام 1992، لأنّها "تضرّ بالجزائر، وباسمها تمّ تهميش ثلاثة ملايين من البشر في البلاد". ولم يتردّد الرئيس المرشّح بوتفليقة خلال حملته في إعتبار "الحرب الأهليّة" في الجزائر "من صنع العلمانيّين والإسلاميّين" داعياً في الوقت نفسه إلى تحقيق "مصالحة وطنيّة ترتكز على حتميّة رفض طرفي الصراع". كما شدّد الرئيس المرشّح، خلال حملته، على الإنجازات التي تحقّقت خلال ولايته على المستوى الأمنيّ بتراجع العنف، وعلى المستوى الاقتصاديّ بالانتعاش التي تشهده الجزائر، وعلى المستوى الدوليّ باسترجاع مكانة الجزائر بين الأمم. واعتبر بوتفليقة - في ردّه على دعوات المرشّحين الآخرين للتغيير - تبنّي موقف القطيعة مع النّظام السياسيّ، والدعوة إلى التغيير بأنّه "وثبة نحو المجهول" و"مغامرة". وفي منطقة القبائل التي تقاطع الإنتخابات الرئاسيّة على غرار مقاطعتها الإنتخابات التشريعيّة والبلديّة، رفض الرئيس المرشّح الالتزام بجعل اللغـــة الأمازيغيّة لغة رسميّة، وهو مطلب رفعته تنسيقيّة العروش (كبرى العشائر في منطقة القبائل شرقي الجزائر) ضمن مطالب أخرى تعتبر تلبيتها تمهيداً لإيجاد حلّ للأزمة المستمرّة في منطقة القبائل منذ نيسان /أبريل 2001 إثر وقوع اضطرابات دامية وصفت بـ"الربيع الأسود"، وسقط خلالها نحو مائة قتيل، ومئات الجرحى.

أمّا المرشّح علي بن فليس، رئيس الحكومة السابق ومدير حملة الرئيس بوتفليقة الإنتخابية عام 1999، والأمين العام لجبهة التحرير الوطني الجزائريّة، فقد قسّم خطابه الإنتخابي إلى ثلاثة محاور أساسيّة أوّلها، سياسيّ دعا فيه إلى "تعزيز المسار الديمقراطيّ ونبذ ومحاربة سياسة تهميش الأحزاب السياسيّة وتقزيم دورها... وبعث التعدّديّة السياسيّة الحقيقيّة... وتعزيز الحريّات العامّة، وفرض حريّة التعبير، والسهر على تكريس مبدأ استقلاليّة العدالة، وحياد الإدارة بوضعها في منأى عن كل أشكال الضغوط، وحماية مسارها من التغييرات السياسيّة... وفتح الفضاء الإعلاميّ للنّقاش الحرّ... وحقّ الاختلاف". أمّا المحور الثاني لخطاب بن فليس فقد انصبّ على الجانب الاقتصاديّ. فأكّد على أنّ من أولويّاته "تحسين مناخ الاستثمار، وتخفيف الأعباء الإلزاميّة، وتنظيم النشاطات الاقتصاديّة الموازية وفق الضوابط القانونيّة" وأكّد سعيه إلى "بناء أسس اقتصاد ناجعٍ ومتفتّح على الاقتصاد العالميّ". وركّز في محوره الثالث على المسألة الاجتماعيّة، فأعلن التزامه العمل على "إعادة التلاحم الاجتماعيّ الذي تزعزعت أركانه في السنوات الأخيرة، مما وسّع بصفة مطّردة رقعة الفقر ودائرة الحرمان". أما ردّ بن فليس على المقولة التي يتبنّاها بوتفليقة حول المصالحة الوطنيّة، فكان دعوته إلى "مصالحة الجزائريّين مع دولتهم ومع قوانينها ودستورها"، مشدّداً على ما اعتبره مخاطر السياسة الراهنة القائمة على "سلب الحرّيات"، و"الظلم"، و"البطالة" و"التخلّف". وبديلها - على حدّ قوله - "الإرادة في إقامة ديمقراطيّة تضمن الحريّات الأساسيّة، والتعدّدية السياسيّة، والتناوب على السلطة".

من جهته، ركّز المرشّح الشيخ عبد الله جاب الله زعيم حركة الإصلاح في خطابه الإنتخابي على أهميّة "أخلقة المجتمع"، مشدّداً على ضرورة مكافحة الغشّ، والفساد، والآفات الاجتماعيّة. وعن مسألة المصالحة الوطنيّة التي تشغل حيّزاً واسعاً في برامج المرشّحين، يرى جاب الله أنّها تعني "تطبيق العفو الشامل على الجميع كطريقة لإخراج البلاد من أزمتها". وأكّد جاب الله على ضرورة "التغيير الجذريّ لأنّ الممارسات القديمة في الحكم هي التي تسبّبت في بروز الأزمة، وبالتالي وجب ممارسة العدل في توزيع ثروات البلاد على المواطنين".

أما المرشّحة لويزة حنّون فقد ركّزت في خطابها الإنتخابي على ما اعتبرته "مخاطر الهيمنة الأميركيّة على المنطقة المغاربيّة" وشدّدت على أنّ الولايات المتحدة الأميركيّة "ترغب في دور جديد في الجزائر، وقد تكون هذه الرئاسيّات مناسبة لها للتدخّل في شؤوننا الداخليّة". و"أنّ هذا التدخّل ربّما تبرّره واشنطن بملفّ حقوق الإنسان، لكنّ الأهداف الحقيقيّة هي رغبة الأميركيّين في الحصول على البترول والغاز الجزائريّ". واعتبرت حنّون تزايد حديث المسؤولين الأميركيّين عن امتلاك الجزائر أسلحة دمار شامل يهدف إلى إدراج الجزائر ضمن خريطة المصالح الأميركيّة. كما حذّرت حنّون، على خلفيّة الأزمة التي هزّت جبهة التحرير الوطنيّ الجزائريةّ وانقسامها بين مؤيّد للرئيس عبد العزيز بوتفليقة ومؤيّد لأمينها العام علي بن فليـس، مـن "حرب أهليّة إذا مسّـت (أزمة جبهة التحرير الوطنيّ) الشـعب والشـرطة"، بعد أن "ضربت الدولـة فـي مؤسّساتها". وعن رؤيتها للمصالحة الوطنيّة، دعت حنّون إلى "عقد مؤتمر جامع لكل الأطراف تطرح فيه كلّ أوجه الأزمة، وبالتالي الخروج بموقف موحّد يضمن تدعيم الوحدة الوطنيّة والتضامن الوطنيّ، ما يضمن تحقيق المصالح العليا للجزائر". وعلى مستوى الأزمة الأمازيغيّة، أكّدت حنّون على أنّ "الجزائريين شعب واحد بلغتين: العربيّة والأمازيغيّة" واعدة بجعل الأمازيغيّة لغة رسميّة إذا انتخبت للرئاسة، ومنبّهة إلى أنّ "الرغبة الأميركيّة في الهيمنة تستند إلى أطراف جزائريّة تحاول تقسيم البلاد على أساس الجهويّة واللغة". أمّا المرشّح سعيد سعدي فكان واضحاً في إبراز هاجسه الرئيسيّ الذي يتمثّل باستقطاب منطقة القبائل التي دعت فيها "تنسيقيّة العروش" إلى مقاطعة الإنتخابات الرئاسيّة. وعلى هذا الأساس، حفل خطابه الإنتخابي بالدعوة إلى "إعادة بناء الدولة" عبر ترسيخ مبدأ "الجهويّة الإيجابيّة" كحلّ لمشكلة "عدم تكيّف السلطات المركزيّة مع الأوضاع في المناطق الفقيرة والنائية" في عدّة ولايات. كما لخّص سعدي الأزمة الجزائريّة بأربعة عناوين هي: "الإرهاب لا يزال يقتل، والاقتصاد منهار، وصورة الجزائر في الخارج لم تتحسّن، وأزمة منطقة القبائل لا تزال قائمة". مشدّداً في الوقت نفسه على أنّ البديل يكمن في إقامة نظام ديمقراطيّ تعدّدي عبر "الإمكانيّات" التي تتيحها "العمليّة الإنتخابية". أمّا فيما يتعلق بمسألة المصالحة الوطنيّة، فقد أكّد سعيد سعدي على ضرورة "مواجهة ظاهرة الإرهاب، وإنصاف ضحايا ظاهرة الإرهاب الهمجيّة". ملحّاً على "حتميّة تغيير أساليب الحكم من أجل إقرار الحريّات، وتكريس التعدّديّة السياسيّة، وفتح المجال الإعلاميّ، وإرساء تقاليد ديمقراطيّة حقّة".

من جهة ثانية، حفل الخطاب الإنتخابي للمرشّح فوزي رباعين بالمفاهيم الوطنية التي كانت سائدة إبّان حرب التحرير الجزائريّة. فأكّد على أنّ "التغيير" هو "نقطة تلاقٍ بين العودة إلى مبادئ حرب التحرير، ونظرة نحو المستقبل"، مشدّداً على ضرورة إعادة الإعتبار إلى العدالة. أمّا فيما يخصّ المصالحة الوطنيّة، فرأى رباعين أنّه "تمّ تسييسها، وبالتالي اتّخذت منحىً آخر فخرجت عن إطارها الحقيقيّ". وكرّر الدعوة إلى "إحداث التغيير الذي يكرّس اللامركزيّة الحقيقيّة التي تخدم طموحات المواطنين، وتحطّم القيود الإداريّة البيروقراطيّة التي تعدّ بمثابة كوابح للتنمية الوطنيّة".

وفي عزّ الحملة الإنتخابية، أصدرت الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ المحظورة بياناً إلى الشعب الجزائريّ بخصوص الإنتخابات الرئاسيّة يحمل توقيع كلّ من الشيخ عباسي مدني، وعبد القادر بوخمخم، وعلي جدي، وكمال قمازي، وعمر عبد القادر، ومراد دهينة - ردّ البيان غياب توقيع علي بلحاج إلى الممنوعات العشر المفروضة عليه من قبل السلطات بعد الإفراج عنه - ولم يعلن البيان، وهو الأوّل الذي تصدره القيادة الجماعيّة لجبهة الإنقاذ بشأن الإنتخابات الرئاسية، تأييد أيّ من المرشّحين إلى الرئاسة. لكنّه حمل رؤية الجبهة عن قناعتها بأنّ الإنتخابات "تجري في واقع سياسيّ مرير يتمثّل في التمادي في الإقصاء السياسيّ لمشاريع سياسيّة. وفي قطع الطريق على مرشّحين مؤهّلين لكسب ثقة الشعب. وتجري من دون أن تطلق حريّات الشعب، وتقدّم ضمانات احترام إرادته وإختياره، ممّا يبقي على معاناة الشعب، ويبعد الحلّ الجذريّ للأزمة".

وفيما يتعلّق بإعـلان بعض قادة "الإنقاذ" دعم مرشّحين مثل عبد العزيز بوتفليقة، وعلي بن فليس، وعبد الله جاب الله، فقد شدّد البيان على أنّ هذه المواقف "اجتهادات خاصّة لا تمثّل موقف الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ التي منعها القمع والإقصاء والمطاردة من ممارسة حقّها المشروع في النّشاط السياسيّ على الوجه الأكمل". وعرضت قيادة "الإنقاذ" عبر بيانها عدّة أسئلة موجّهة إلى المرشّحين "قبل اتّخاذ الموقف النهائيّ" منهم تدور حول "رؤيتهم لكيفيّة معالجة مخلّفات إلغاء المسار الإنتخابي عام 1992، إطلاق المساجين، ملفّ المفقودين، التكفّل بضحايا المأساة الوطنيّة، والإصلاحات المرتقبة للتعديل الدستوريّ لتعزيز سلطة الشعب". علماً أنّ القاعدة الشعبيّة لجبهة الإنقاذ كانت محطّ اهتمام لافت قبل وأثناء الحملة الإنتخابية لثلاثة مرشّحين للرئاسة (بوتفليقة، وبن فليس، وجاب الله) في وقت ظهرت فيه قيادة "الإنقاذ" منقسمة على نفسها، فعبّاسي مدني كان يدعو إلى تأجيل الإنتخابات، في حين دعا القياديّ الإنقاذيّ مراد دهينة إلى مقاطعتها، في وقت أعلن فيه قياديّ إنقاذيّ آخر هو رابح كبير، قبل أيّام من صدور البيان، دعمه المرشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وبالتالي لم يوقّع على بيان القيادة الجماعيّة للإنقاذ.

ومع أنّ الحملة الإنتخابية لم تخلُ من أحداث عنف وشغب وتخريب، إلاّ أنّ نطاق أعمال العنف لم يتّسع لدرجة وقف الحملة الإنتخابية رغم أنّها طالت عدداً من الولايات الجزائريّة. ففي ولاية تيارت (400 كلم غرب الجزائر) تعرّض موكب المرشّح سعيد سعدي إلى مضايقات من أنصار الرئيس المرشّح عبد العزيز بوتفليقة. وتعرّضت المراكز الإنتخابية لكلّ من علي بن فليس، وعبد الله جاب الله بولاية تلمسان لأعمال تخريب وتدمير شملت كلّ الممتلكات العقاريّة، والوثائق الخاصّة بالحملة الإنتخابية. وكان الشبّان الذين دهموا هذه المقرّات يردّدون هتافات مؤيّدة للرئيس بوتفليقة، ولم تتدخّل عناصر الأمن الوطنيّ لمنع هذه الأعمال. وشهدت ولاية غليزان رشق موكب المرشّح بن فليس بالحجارة، ومنع المرشّح نفسه من إقامة تجمّع إنتخابي في ولاية اليزي. كما أصدرت المراكز الإنتخابية لكلّ من المرشّحين بن فليس، وجاب الله في ولاية تيبازة بياناً هدّدت فيه بتجميد حملتها الإنتخابية في حال استمرار الإدارة في خرق قواعد المنافسة الإنتخابية "المتمثّلة باستغلال الرئيس المرشّح إمكانات الدولة" ونزع ملصقاتهم الإنتخابية من طرف عناصر الأمن الوطنيّ. ورفع مدير حملة المرشّح جاب الله رسالة احتجاجٍ إلى وزير الداخليّة يزيد زرهوني، تحدّث فيها عن "تزايد الممارسات اللاسياسيّة واللاأخلاقيّة المتّسمة بالعنف من طرف أنصار الرئيس بوتفليقة"، وأكّد على أنّ "هذا العنف المنظّم والمدروس" يعود أساساً "إلى تقاعس الشرطة، وعدم تحمّل مسؤوليّاتها في الوقت المناسب". وفي منطقة القبائل حصلت مواجهات عنيفة بين متظاهرين وقوات الأمن الجزائريّ التي كانت تتولّى حماية تجمّع إنتخابي نظّمه الرئيس المرشّح بوتفليقة في تيزي أوزو. ووقعت المواجهات حين حاول بوتفليقة مغادرة قاعة "دار الثقافة - مولود معمري" التي كان يحاصرها مئات الشبّان الغاضبين الذين يعتبرون رئيس الجمهورية المسؤول عن أحداث منطقة القبائل التي وقعت في نيسان/أبريل 2001، والتي راح ضحيّتها 125 قتيلاً. ولم تنجُ ولاية الجزائر العاصمة من أحداث مماثلة تعرّض خلالها أنصار المرشّح علي بن فليس من جبهة التحرير الوطني للضرب على أيدي أفراد الأمن الوطنيّ، في حين تعرّض عضو في حـزب التجـمّع الوطنيّ الديمقراطيّ المشارك في التحالف الرئاسيّ المؤيّد للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، لاعتداء جسديّ خطير لدى تعليقه ملصقات لبوتفليقة في أحد الأنفاق الرئيسيّة في العاصمة.

وإذا كانت الحملة الإنتخابية التي اختتمت مساء الخامس من نيسان/ابريل 2004 قد شهدت في اليومين الأخيرين منها تكثيف أبرز المرشّحين تجمّعاتهم الإنتخابية في الجزائر العاصمة، فإنّها أفضت إلى إرساء خريطة التحالفات التي ظهرت ملامحها الرئيسيّة منذ مدّة طويلة سبقت المرسوم الرئاسيّ الذي حدّد موعد الاستحقاق الإنتخابي الرئاسيّ. فبات واضحاً أنّ الرئيس المرشّح عبد العزيز بوتفليقة يحظى بدعم أركان "التحالف الرئاسيّ"، وهي: التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ بزعامة رئيس الحكومة أحمد أو يحيى، وعضو الائتلاف الحكوميّ حركة مجتمع السّلم (حمس) بقيادة أبو جرة سلطاني، و"الحركة التصحيحية" التي تضمّ مؤيّدي الرئيس الجزائريّ في جبهة التحرير الوطنيّ بزعامة وزير الخارجيّة عبد العزيز بلخادم، وقسم من أنصار "جبهة الإنقاذ الإسلاميّة" المحظورة الذين عمل بوتفليقة على استمالتهم بالتأكيد على أنّه "ضدّ الاستئصال فكراً ومنهجاً"، والذي توّج بإعلان رابح كبير - أحد قياديي "الإنقاذ" - تأييده له. والرئيس الجزائريّ الأسبق أحمد بن بلّة. إضافةً إلى تشكيلات من المجتمع المدنيّ، على رأسها الهيئتين الأكثر نفوذاً في البلاد، وهما: الاتحاد العمّالي، ورابطة قدامى المجاهدين. في المقابل حظي المرشّح علي بن فليس، رئيس الحكومة السابق وأمين عام جبهة التحرير الوطنيّ الجزائريّة، بدعم الأكثريّة في جبهة التحرير رغم انشقاق المؤيّدين للرئيس بوتفليقة تحت اسم "الحركة التصحيحيّة" - لكنّ حكماً قضائياً حرمه من إمكانيات جبهة التحرير الوطنيّ كمؤسّسة تعبئة وتنظيم لا يستهان بها، بإلغاء المؤتمر الشعبيّ الاستثنائيّ للجبهة، ومصادرة ممتلكاتها وتجميد أرصدتها - واستطاع عقد شبكة تحالفات ضمنت له تأييد كلّ من الرجل الأوّل في "جبهة الإنقاذ الإسلاميّة" المحظورة عبّاسي مدني الذي تراجع عن قراره مقاطعة الإنتخابات، وأعلن تأييده له. كذلك أعلن تأييد بن فليس كلّ من: أحمد طالب الإبراهيمي الذي يقود "حركة الوفاء والعدل" غير المرخّصة، وسيّد أحمد غزالي رئيس الحكومة الأسبق والذي يترأّس "الجبهة الديمقراطيّة" غير المرخّصة أيضاً، وموسى تواتي رئيس "الجبهة الوطنيّة الجزائريّة"، والثلاثة أبعدوا عن السباق الرئاسيّ بقرار من المجلس الدستوريّ. وإذا كان تأييد الإبراهيميّ لبن فليس قد جاء على خلفيّة أنّ "المقاطعة تخدم حكم الرئيس وحاشيته"، فإنّ تأييد غزالي رافقه رهان على أنّ بن فليس "التزم وعزم على إشاعة الديمقراطيّة، وترسيخ سيادة القانون، واحترام الحقوق المكفولة دستوريّاً لنساء هذا البلد ورجاله على السواء"، وتزكية المرشّح بن فليس حسب غزالي "تعني التوجّه بكلّ وعي ودراية نحو مسعى قوامه الحسّ المدنيّ والمواطنة الرشيدة كردّ حاسم على تجرّد السلطة من ذلك الحسّ". وفي السياق الإنتخابي نفسه يعتمد عبد الله جاب الله الذي يعتبر المرشّح الإسلاميّ الوحيد في السباق الرئاسي، على دعم "حركة الإصلاح" التي يتزعّمها، والتي احتلّت المرتبة الثالثة (43 مقعداً) في الإنتخابات التشريعيّة التي جرت في 30-05-2002. والمرتبة الرابعة في الإنتخابات الشعبيّة المحليّة (البلديّة والولائيّة) حيث استطاعت السيطرة على 39 بلديّة وولاية واحدة. كما يراهن على دعم قيادات من "الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ" مثل: جعفر الهواري، وتيارات داخل "حركة مجتمع السلم" (حمس)، و"حركة النهضة" بصفته مـرشّحاً إسلاميّاً في السباق الرئاسيّ. من جهة ثانية، تعتمد المرشّحة لويزة حنّون على حزبها "حزب العمّال" الذي قادته للفوز بـ21 مقعداً في المجلس الشعبيّ الوطنيّ (البرلمان) في الإنتخابات التشريعيّة، إضافةً إلى قطاعات عمّاليّة في عدد من المناطق الصناعيّة الكبرى عبّرت عن رفضها مساندة الرئيس بوتفليقة. أمّا المرشّح سعيد سعدي، فإنّ رهانه الأساسيّ يعتمد على تمكّنه من تحريك الشارع في منطقة القبائل للتصويت لمصلحته - وهذا ما قام به فعلاً خلال الحملة الإنتخابية - واستقطاب فئات واسعة من سكّان الجزائر العاصمة حيث تقدّر الكتلة الإنتخابية في هاتين المنطقتين بنحو أربعة ملايين ناخب. وتبقى الإشارة إلى أنّ المرشّح فوزي رباعين الذي اعتبر دخوله السباق الرئاسي "مفاجأة"، يعتمد بالأساس على خطابه السياسيّ الداعي إلى "ضرورة إحياء البعد الوطنيّ في هياكل الدولة" وقد لاقى هذا الخطاب اهتمام النّاخبين في أثناء الحملة الإنتخابية.

وما يلفت الانتباه أنّ استحقاق الثامن من نيسان /أبريل 2004 رافقه عدة متغيّرات ذات دلالة واضحة في تأثيرها على مجرى العمليّة الإنتخابية برمّتها. فعلى المستوى السياسي، وفي سابقة هي الأولى في هذا المجال، أعلن الجيش الجزائريّ، الذي يمسك بزمام السلطة الحقيقيّة في البلاد، حياده في الإنتخابات الرئاسيّة. حين أعلن رئيس الأركان الفريق محمد العماري - المسؤول العسكريّ الوحيد الذي يدلي بتصريحات علنيّة - عن هذا الحياد مرّات عدّة، مؤكّداً على أنّ "المؤسّسة العسكريّة لا تعتزم مضايقة أو مناصرة أيّ من المرشّحين إلى الرئاسة". ويعتبر الحياد من جانب المؤسّسة العسكريّة - في حال التزامها به - تطوّراً كبيراً سينعكس مستقبلاً على دورها في الحياة السياسيّة الجزائريّة. فهذه هي المرة الأولى منذ استقلال البلاد عام 1962 لا يعيّن الجيش رئيساً، أو يساهم في إنتخابه كما كان الحال مع أحمد بن بلّة (1962-1965)، والعقيد هوّاري بومدين (1965-1978)، والعقيد الشاذلي بن جديد (1978-1992)، في عهد جبهة التحرير الوطنيّ الجزائريّة الحزب الواحد سابقاً. ولعب الجيش دوراً حاسماً أيضاً في ظلّ الإنتخابات التعدّديّة حين ساند إنتخاب اللواء اليمين زروال في العام 1995، كما دعم عام 1999 إنتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي وجد نفسه مرشحّاً وحيداً عشيّة الإنتخابات بعد انسحاب المرشّحين الستّة الآخرين، بدعوى أنّ الإنتخابات ستشهد تزويراً. وكان سبق موقف المؤسّسة العسكريّة هذا، تصويت ذو دلالة شهده المجلس الشعبيّ الوطنيّ الجزائريّ (البرلمان) حين صادق في جلسة عقدها في 05-01-2004 على مشروع قانون إنتخابي جديد تضمّن تعديلات جوهرية في القانون القديم، أهمها إلغاء المكاتب الخاصّة بتصويت عناصر الجيش وأجهزة الأمن المختلفة في مقرّات عملهم (اقترح المشروع من قبل المجموعة البرلمانيّة لحركة الإصلاح بزعامة عبد الله جاب الله) رغم تحفّظات الحكومة. وكانت مختلف الأحزاب والطبقة السياسيّة الجزائريّة تطالب منذ سنوات بإلغاء المكاتب الخاصّة على إعتبار أنّها تساعد السلطة على تقنين عمليّة تزوير الإنتخابات التشريعيّة والرئاسيّة من خلال التلاعب بصناديق الإقتراع، والتأثير على عناصر الجيش والشرطة والأمن والجمارك الذي يشكّلون كتلة إنتخابية تقدّر بنحو 700 ألف صوت. كما سمحت التعديلات للمرشّحين وممثّليهم بمراقبة مكاتب التصويت وصناديق الإقتراع إعتباراً من بدء عمليات التصويت حتى انتهائها، والحصول على نسخ من محاضر الفرز. وتمّ تقليص عدد الصناديق المتنقّلة التي تضعها الحكومة في المناطق النائية والريفيّة البعيدة، والمناطق التي لا تزال تواجه مخاطر تهديدات الجماعات الإسلاميّة المسلّحة، إلى 500 صندوق متنقّل بعد أن كان عددها في السابق في حدود 5 آلاف صندوق.

وفي الثامن من نيسان/ابريل 2004 شهدت الجزائر ثالث إنتخابات رئاسيّة تعدّدية، حيث دعي لإختيار رئيس جديد للبلاد نحو 18 مليون ناخب (من بينهم نحو 700 ألف من منتسبي الأجهزة العسكريّة والأمنيّة يدلون بأصواتهم للمرّة الأولى خارج "المراكز الخاصّة" في الثكن العسكريّة)، في 9806 مراكز إقتراع، وحوالي 40 ألف صندوق إقتراع على المستوى الوطنيّ. وكان سبق يوم الإقتراع الجزائريّ في الوطن قيام الجالية الجزائريّة في الخارج بواجبها الإنتخابي. حيث توجّه المهاجرون الجزائريّون في الثالث من نيسان/ابريل 2004 إلى صناديق الإقتراع التي خصّصت لهم في مقارّ السفارات والقنصليات ومراكز الإقتراع في المدن الرئيسية في بلدان انتشارهم للإدلاء بأصواتهم، والتي لا تعلن نتائجها - حسب القانون الإنتخابي - إلاّ بعد انتهاء يوم الإقتراع في الوطن. وقد تبع إقتراع الجالية الجزائريّة في الخارج إقتراع المواطنين الذين يعيشون في المناطق النائية من الجزائر في الخامس من نيسان/ابريل، وذلك وفقاً لقانون الإنتخاب الذي يقضي بإجراء عمليّة التصويت قبل 72 ساعة من موعد الإنتخاب المقرّر في الثامن من الشهر نفسه. أمّا يوم الإقتراع الجزائري فمرّ هادئاً رغم حدثين بارزين خيّما على أجواء عمليّة التصويت. الحدث الأول، هو القرار الذي اتخذته "تنسيقية العروش" (كبرى العشائر في منطقة القبائل شرقيّ البلاد) بمقاطعة الإنتخابات على خلفيّة فشل الحوار بين الحكومة وممثلي القبائل لإيجاد حلّ للأزمة المستمرة بمنطقة القبائل منذ نيسان/ابريل 2001، إثر اضطرابات دامية وصفت بـ"الربيع الأسود"، وسقط خلالها نحو مائة قتيل وآلاف الجرحى, والحوادث الأمنية التي شهدتها هذه المناطق عشية يوم الإقتراع بعد مقتل شقيق رشيد علواش أحد أبرز قيادات حركة العروش البربريّة، والخشية من تأثير ذلك على سلامة عمليّات الإقتراع في المنطقة. والحدث الثاني، تهديد ثلاثة مرشّحين للرئاسة هم: علي بن فليس، وعبد الله جاب الله، وسعيد سعدي في بيان مشترك بعدم الاعتراف بنتائج الإقتراع بسبب ما وصفوه "خرق فادح للدستور، ودوس لقوانين تنظيم الإنتخابات"، ودعوا "مؤسّسات الدولة المعنيّة بحماية الدستور، والسهر على الأمن العامّ، والنظام العامّ إلى توقيف هذه المؤامرة". فيما اعتبر بمثابة دعوة غير مباشرة للمؤسّسة العسكريّة للتدخّل. واعتبر موقّعو البيان أنّ "هناك إرادة مبيّتة لدى مجموعة الرئيس المرشّح لإعلان فوزه من الدورة الأولى بنسبة تتراوح بين 53 و55 في المئة، وذلك قبل الانتهاء من عمليّة جمع الأصوات وتحرير المحاضر النهائيّة". وذكر البيان أنّ عمليّة الإقتراع التي قام بها الجزائريّون في فرنسا (يمثّلون 90 في المئة من ناخبي المهجر ويبلغ عددهم حوالي 742 ألف ناخب)، في إطار الإنتخابات الرئاسيّة شهدت "مخالفات خطيرة". حيث قامت "قنصليّات جزائريّة في فرنسا بتمويل عمليّات نقل ناخبين لمؤيّدي مرشّح واحد هو عبد العزيز بوتفليقة". وقد أعاد بيان المرشّحين الثلاثة إلى الأذهان الأجواء التي سادت الإنتخابات الرئاسيّة عام 1999 التي انسحب منها منافسو بوتفليقة، بحجّة أنّها تزوّر لمصلحته. وتزامن ذلك مع حصول عدّة صحف محليّة على مضمون "مذكّرة داخليّة" صادرة عن وزارة العدل تدعو فيها "النوّاب العامّين ورؤساء المجالس القضائيّة إلى عدم تحرير محاضر الأصوات التي تسلّم إلى وزارة الداخليّة والمجلس الدستوري إلاّ بعد الاتّصال بخليّة تعمل تحت إشراف ديوان الوزير". وطلبت المذكّرة من كلّ قاضٍ يرأس لجنة الولاية للإنتخابات "إفادة الوزارة بالنتائج الأوليّة والنهائيّة للإنتخابات قبل إعداد تركيز الأصوات". وقد نفى رئيس الوزراء أحمد أو يحيى الاتّهامات التي وجّهها المرشّحون الثلاثة للحكومة بالتحضير لإعلان فوز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قبل الإعلان الرسميّ للنتائج. وأكّد على أنّ "الإنتخابات ستتمّ في أجواء من الشفافيّة والنزاهة المطلوبة". ومن جهتها، ندّدت المرشّحة لويزا حنّون بعد إدلائها بصوتها بدعوة المرشّحين الثلاثة لتدخّل الجيش في الإنتخابات، واعتبرت أنّ ذلك "يهدّد استقرار البلاد.

وقد أدلى النّاخبون الجزائريّون بأصواتهم لإختيار رئيسهم المقبل من بين ستّة متنافسين يمثّلون التيّارات الإسلاميّة والوطنيّة والشيوعيّة والعلمانيّة وسط أجواء هادئة، وتحت إشراف 124 مراقباً دوليّاً. إلا أنّ منطقة القبائل شهدت أعمال عنف وتخريب منعت إجراء الإنتخابات في أكثر من 20 بلديّة؛ وذلك بعد دعوة "تنسيقيّة العروش" إلى الإضراب، ونجاحها في السيطرة على الشارع، وإقامة حواجز على الطرقات، ومنع التصويت في وسط ولاية تيزي أوزو (100 كلم شرق الجزائر)، وولاية بجاية (350 كلم شرق العاصمة). في حين رافق عمليّة التصويت في عدد من الولايات مراقبين عن البرلمان الأوروبيّ، وجامعة الدول العربيّة، والاتّحاد الإفريقي لمراقبة عمليّات الإقتراع. وقد أدلى المتنافسون الستّة بأصواتهم في الجزائر العاصمة، وفي حين رفض الرئيس المرشّح بوتفليقة الإدلاء بأيّ تصريح، عبّر علي بن فليس عن يقينه بالفوز "إذا تمّ تجنّب التزوير واعتمدت الشفافيّة". وتمنّى عبد الله جاب الله "أن تجري الأمور في شفافيّة ووضوح يضمنان أن تكون الإنتخابات نزيهة وحرّة". فيما أعلنت لويزا حنّون أنّها "فخورة جدّاً" كونها "أوّل امرأة تترشّح في الجزائر لمنصب رئاسة الجمهوريّة"، واعتبرت الإنتخابات "خطوة عملاقة تكرّس الديمقراطيّة والحريّة والمساواة" وأملت في "أن يسودها الرشاد والتعقّل". وأعرب فوزي رباعين عن أمله في أن تكون هذه الإنتخابات "فرصة لعودة السّلم إلى الجزائر"، مشدّداً على "ضرورة احترام الإرادة الشعبيّة". ومع نهاية يوم الإقتراع الرئاسيّ، أعلن المرشّحون الثلاثة: علي بن فليس، وعبد الله جاب الله، وسعيد سعدي "أنّ كل المعلومات الواردة من الإدارات التابعة لهم تشير إلى أنّ الاتّجاه العامّ يسير إلى حسم الإنتخابات في دورة ثانية". وقال المرشّحون الثلاثة في بيان أصدروه، بعد اجتماع طارئ عقدوه بعد إقفال صناديق الإقتراع، "أنّ أيّ إعلان يخالف هذا التوجّه لا يحمل إلاّ رغبة في وضع الأمّة أمام أمر واقع من دون الالتفات إلى النتائج الوخيمة التي قد تترتّب عليه". وردّت إدارة حملة بوتفليقة ببيان وصفت فيه موقف المرشّحين الثلاثة بأنّه "نتيجة منطقيّة لسلسلة المواقف والتصريحات التي يعلنونها، والتهديد المستمرّ باستخدام الشارع لفرض الأمر الواقع".

أعلى الصفحة الحالية

النتائج
وبعد أقلّ من أربع وعشرين ساعة على إقفال صناديق الإقتراع، عقد وزير الداخليّة الجزائريّ يزيد زرهوني في 09-04-2004، مؤتمراً صحافيّاً في المركز الدوليّ للصحافة في العاصمة الجزائريّة أعلن فيه "أنّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة حقّق فوزاً ساحقاً في الإنتخابات الرئاسيّة". واعتبر أنّ "نتائج الإقتراع أكّدت تمسّك الجزائريّين بالمبادئ الديمقراطيّة والجمهوريّة... (و) أنّ الجزائر بلغت درجة اللارجوع في ترسيخ الديمقراطيّة وبنائها". وأوضح زرهوني أنّ بوتفليقة انتخب مجدّداً رئيساً للجمهوريّة الجزائريّة في الدورة الأولى من الإنتخابات الرئاسيّة التي جرت في 08-04-2004 بنسبة 83.49 في المئة بحصوله على 8.4 مليون صوت من مجموع الأصوات المشاركة في الإنتخابات. وقدّر الوزير عدد الناخبين بعشرة ملايين ناخب. وحلّ في المرتبة الثانية رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس بنسبة 7.93 في المئة الذي لم يحصل إلاّ على 854608 أصوات، وتلاه في المرتبة الثالثة عبد الله جاب الله زعيم "حركة الإصلاح" بنسبة 4.84 في المئة، ثمّ سعيد سعدي زعيم التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطيّة في المرتبة الرابعة بنسبة أصوات 1.93 في المئة، ولويزا حنّون زعيمة حزب العمّال في المرتبة الخامسة بنسبة أصوات 1.16 في المئة، وفي المرتبة السادسة والأخيرة فوزي رباعين رئيس حزب "عهد 54" الذي لم يحصل إلاّ على نسبة 0.64 في المئة من الأصوات. وأشار الوزير زرهوني في مؤتمره الصحافيّ إلى أنّ الهيئة النّاخبة التي كان من المفترض أن تتوجّه إلى صناديق الإقتراع هي 18.094 مليون ناخب (من بينهم 875414 ناخباً مقيماً في الخارج) توجّه منهم 10 ملايين ناخب فقط إلى صناديق الإقتراع ما جعل نسبة المشاركة في الاستحقاق الرئاسيّ هي 59.26 في المئة. وأوضح الوزير أنّ 328 ألف ورقة تصويت اعتبرت لاغية، بينما سجّلت 200 ألف ورقة تصويت من أصل 800 ألف ناخب من الأجهزة العسكريّة والأمنيّة التي لم يعد يحقّ لأفرادها التصويت في "مراكز خاصّة" في الثكنات. وفي المقابل، اعترف الوزير بأنّ الإنتخابات في منطقة القبائل لم تجر بالشكل الذي كانت تأمله الحكومة، معتبراً أنّ نداء المقاطعة الذي أطلقه "بعض الإقصائيّين" (نعت أطلقه الوزير للإشارة إلى تنسيقيّة العروش) أسهم في عدم إجراء الإنتخابات في ثلاث ولايات من منطقة القبائل، فلم يتمكّن 150 ألف ناخب من المشاركة في الاستحقاق الرئاسيّ في ولاية بجاية، و80 ألف نخب في ولاية تيزي أوزو، ونحو 10 آلاف ناخب في ولاية البويرة. كما ردّ الوزير النسبة العالية من الأصوات التي حصل عليها الرئيس بوتفليقة إلى ثلاثة أسباب أساسيّة وهي: نجاح "التحالف الرئاسيّ" (التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ، وحركة مجتمع السّلم (حمس)، و"الحركة التصحيحيّة" في جبهة التحرير الوطني) في إنتخابات التجديد النصفيّ لمجلس الأمّة واكتساحه غالبيّة المقاعد، ونجاح الرئيس بوتفليقة في جمع 2.1 مليون توقيع لدعم ترشّحه للرئاسة، وأخيراً نجاح مؤيّديه في عقد 2500 تجمّع إنتخابي في مختلف ولايات الجزائر ما أتاح لهم مخاطبة 5.1 مليون ناخب.

وترافق إعلان النتائج الأوّليّة، ومن ثمّ الرسميّة التي أظهرت فوز الرئيس بوتفليقة بولاية ثانية، وبنسبة أصوات عالية، ترافق ذلك مع إعلان ثلاثة مرشّحين للرئاسة (علي بن فليس، وعبد الله جاب الله، وسعيد سعدي) عدم اعترافهم بنتائج الإنتخابات. فأعلن بن فليس عدم اعترافه "بهذه الإنتخابات القائمة على التزوير الشامل"، و"أنّ الزعيم الكوري الشمالي الراحل كيم ايل سونغ ما كان سيحصل على أفضل من ذلك... وأنّ الإنتخابات الرئاسيّة شابتها الخروقات وعمليّات التزوير قبل البدء في عمليات الإقتراع وبعدها". أمّا المرشّح سعدي، فوصف النتيجة بأنّها "شؤم ينذر بنوع من الاستبداد سيطغى على البلاد" مضيفاً أنّ الرئيـس بوتفليقة "يريد أن يخلّد في الحكم". وكان سعدي، والمرشّح عبد الله جاب الله قد أعلنا عدم اعترافهما بنتائج الإنتخابات ما لم تكن في دورين، لأنّ المعطيات التي بحوزتهم تؤكّد استحالة فوز مرشّح من الدور الأوّل. وحذّرا من "أنّ إعلان بوتفليقة فائزاً من الدور الأوّل يعني التزوير". وعلى خلفية هذه المواقف، شهدت الجزائر العاصمة حالة توتّر، حين حاول المرشّحون الثلاثة عقد تجمّع احتجاجيّ بادرت قوات مكافحة الشغب إلى فضّه، واعتقلت العشرات من أنصار المرشّحين الثلاثة. وعلى نقيض هذه المواقف، أثنت المرشّحة لويزة حنّون على الشعب الجزائريّ الذي تحلّى بالحكمة "لمواجهة خطورة الوضع"، محذّرة من "مخاطر في الداخل والخارج". ودعت إلى "حماية الأمّة وتكاملها ووحدتها التي تبقى... أولويّة الأولويّات". أمّا المرشّح فوزي رباعين فقد اعترف أنّه فوجئ بسماع الأرقام التي أعلنتها وزارة الداخليّة، واعتبرها "لا تعبّر عن مطلب الشعب في خصوص تقديم البديل". في المقابل اعتبر رئيس الحكومة أحمد أو يحيى أنّ "الإنتخابات الرئاسيّة أكّدت التوجّه إلى تطبيع الحياة المؤسّساتية في الجزائر". وأشاد بالجيش الجزائريّ الذي التزم "الحياد"، وأكّد على أنّه "مؤسّسة تتحمّل مهمّاتها الدستوريّة كاملة". ومن جهته، ردّ وزير الداخليّة يزيد زرهوني على الشكوك التي أثارها المرشّحون حول شرعيّة الإنتخابات، وتزوير النتائج، بالقول إنّ "عمليّات الإقتراع تمّت بمشاركة 15440 مراقباً يمثّلون المرشّحون الستّة في مراكز التصويت. بينما بلغ عددهم في مكاتب الإقتراع 59446 شخصاً، ويتيح القانون لممثّلي خمسة مرشّحين الحضور في مكاتب الإقتراع بواسطة القرعة". داعياً "الذين يراودهم الشكّ إلى رفع طعون لدى المجلس الدستوري".

وفي سياق تقييم العمليّة الإنتخابية في الجزائر، أشاد المراقبون بنزاهة الإنتخابات رغم وجود بعض الثغرات التي لا تنال من مصداقيّتها. فقد أكّد سعيد كمال الأمين العام المساعد للجامعة العربيّة، ورئيس بعثة الجامعة لمراقبة الإنتخابات في الجزائر، على "السير الجيّد للعمليّة الإنتخابية جراء التنظيم المحكم"، مضيفاً "أنّ مبعوثي الجامعة وجدوا في مختلف الولايات الإجابة الكافية عن كل التساؤلات، ممّا جعلنا نتأكّد من درجة الشفافيّة العالية". وأعلن عبدو لاي باتيلي رئيس بعثة الاتحاد الأفريقيّ، بناءً على مراقبته مراكز التصويت، "أنّ المسار الديمقراطي في الجزائر يسير على طريق الصواب". كما أشادت رئيسة بعثة البرلمان الأوروبي باسكالينا نابوليتانو بـ"التطوّر الذي تحقّق في سير الإقتراع، خصوصاً حضور ممثّلي مختلف المرشّحين المتنافسين في غالبيّة مكاتب التصويت"، مؤكّدة على أنّ "الإقتراع جرى في ظروف عاديّة". أمّا رئيس بعثة منظّمة الأمن والتعاون الأوروبي السير بروس جورج فأكّد على أنّ البعثة التي رافقته زارت 125 مكتب تصويت بحريّة، وفي مختلف الجهات. وأشاد بـ"التنظيم ودرجة النّزاهة والشفافيّة" التي بلغتها الجزائر في مسيرة تنظيم الإنتخابات ما جعل من الإنتخابات الرئاسيّة "أفضل إنتخابات تنظّم، لا في الجزائر فحسب، وإنّما في أفريقيا وفي كثير من الدول العربيّة". وأضاف رئيس البعثة الأوروبيّة أنّ عملية الإقتراع "تمّت بدرجة عالية من الشفافيّة والنّزاهة". واعتبر "وجود نقائص في بعض الجوانب" لا يؤثّر على "مصداقيّة الإنتخابات". في حين سجّلت آن - ماري ليزين عضو مجلس الشيوخ البلجيكي التي شاركت في مراقبة الإنتخابات، بعض الانتقادات للفترة التي سبقت يوم الإقتراع التي "استخدم خلالها بوتفليقة أجهزة الدولة". إلاّ أنّها قالت "إنّ مــا رأيناه في هذه الإنتخابات مطابق لمستوى الإجراءات والمعايير الأوروبيّة... (و) أنّ الحديث عن عمليّة تزوير كبيرة لا صدقيّة له". وأكّدت شيلا لي جاكسون، عضو الكونغرس الأميركي التي حضرت إلى الجزائر ضمن بعثة مراقبي الإنتخابات، على "أنّ النّاخبين لم يتعرّضوا للتخويف، وكان بإمكانهم التصويت بكلّ حرّية... وأنّ علميّة فرز الأصوات بالمراكز كانت مفتوحة أمام الجمهور ووسائل الإعلام ممّا يشكّل ضماناً لسلامة الإقتراع وعدالته". وأشادت بما اعتبرته "المؤشّر الآخر للشفافيّة" المتمثّل في "تسليم المحاضر الخاصّة بحساب الأصوات لممثّلي المترشّحين".

من جهتها، أصدرت اللجنة السياسيّة الوطنيّة لمراقبة الإنتخابات الرئاسيّة تقريراً تضمّن تفاصيل العمليّة الإنتخابية في كلّ مراحلها، ومعلومات مفصّلة حول القوائم الإنتخابية ومراكز الإقتراع، ونتائج الإنتخابات حسب المرشّحين والولايات. وجاء في التقرير، أنّ أهمّ الاحتجاجات التي تلقّتها اللجنة تتعلّق بـ"المطالبة بضرورة التحكّم الكلّي في قائمة الهيئة النّاخبة"، و"الحثّ على عدم استغلال بعض المسؤولين المحلّيين للوسائل العموميّة لأغراض إنتخابية". وحصر التقرير مجالات الاحتجاج في "التجاوزات في عمليّة الملصقات الإشهاريّة". وفيما يخصّ سير العمليّة الإنتخابية، ذكر التقرير "أنّها تمّت في ظروف حسنة في ولايات تيزي أوزو، وبجاية، والبويرة (حيث سجّلت) نسبة مشاركة أعلى من الإنتخابات السابقة رغم بعض الأحداث". وعن عمليّة الفرز، جاء في التقرير "أنّها تمّت بحضور المراقبين المعيّنين في المكاتب... كما أنّ نسخاً من محاضر الفرز قد سلّمت إلى كافّة ممثّلي المترشّحين المتواجدين على مستوى مكاتب ومراكز التصويت". كما تضمّن التقرير كيفيّة استقبال المراقبين من طرف الجامعة العربيّة، والاتحاد الأفريقيّ، والبرلمان الأوروبيّ ومنظّمة الأمن والتعاون الأوروبيّ، والتسهيلات التي قدّمت لهم من شروحات تتعلّق بالقانون الإنتخابي، وتأمين تنقّلهم في بعض ولايات الجزائر، ومراكز ومكاتب التصويت التي كان يتمّ إختيارها من طرفهم بكلّ حريّة. ومن جهة ثانية، أعلنت وزارة الداخليّة أنّ ممثّلي المرشّحين الستّة للرئاسة تلقّوا، وفقاً لقانون الإنتخابات، محاضر الفرز على مستوى مكاتب التصويت، ومحاضر إحصاء النتائج التي أعدّتها اللجان الإنتخابية البلديّة. وقد سلّمت المحاضر المذكورة مقابل إيصالات استلام. حيث تسلّم ممثّلو علي بن فليس "26188 محضر فرز على مستوى مكاتب التصويت، و1187 محضر إحصاء للنتائج على المستوى البلديّ". وتسلّم ممثّلو عبد العزيز بوتفليقة "29977 محضر فرز على مستوى مكاتب التصويت و1333 محضر إحصاء بلديّ للنتائج". وتسلّم ممثّلو لويزة حنّون "5833 محضر فرز على مستوى مكاتب التصويت، و654 محضر إحصاء للنتائج على المستوى البلديّ". وتسلّم ممثّلو السيّد فوزي رباعين "3215 محضر فرز على مستوى مكاتب التصويت، و421 محضر إحصاء للنتائج على المستوى البلديّ". وتسلّم ممثّلو عبد الله جاب الله "18299 محضر فرز على مستوى مكاتب التصويت، و986 محضر إحصاء بلديّ للنتائج". وأخيراً تسلّم ممثّلو سعيد سعدي "6803 محاضر فرز على مستوى مكاتب التصويت، و676 محضر إحصاء بلديّ للنتائج".

وفي المقابل، قام المجلس الدستوريّ، وللمرّة الأولى، بمعالجة ملفّ الإنتخابات الرئاسيّة عن كثب للتحقّق من نزاهة وشفافيّة عمليّة الإقتراع. حيث اطّلع على التقارير والمحاضر الصادرة عن مراكز ومكاتب التصويت المنتشرة على كامل التراب الوطنيّ، وتلك الخاصّة بالجالية الجزائريّة في الخارج. وعلى إثر هذه المراجعة، أعلن المجلس الدستوريّ في 12-04-2004 النتائج الرسميّة النهائيّة للإنتخابات الرئاسيّة التي جرت في الثامن من نيسان / أبريل 2004 على الشكل التالي: عبد العزيز بوتفليقة: حاز على الأغلبيّة المطلقة بحصوله على 8651723 صوتاً بنسبة 84.99 في المئة من الأصوات المعبّر عنها والبالغة 10179702. وحصل علي بن فليس على 653951 صوتاً بنسبة 6.42 في المئة. وعبد الله جاب الله على 511526 صوتاً بنسبة 5.02 في المئة. وسعيد سعدي على 197111 صوتاً بنسبة 1.94 في المئة ولويزة حنّون على 101630 صوتاً بنسبة 1 في المئة. وفوزي رباعين على 63761 صوتاً بنسبة 0.63 في المئة. وأظهرت النتائج النهائيّة الرسميّة التي أعلنها المجلس الدستوريّ اختلافاً في عدد الأصوات التي نالها كلّ مرشّح مقارنة بما أعلنته سابقاً وزارة الداخليّة، رغم أنّ هذا الاختلاف لم يخلّ بالنتائج أو الترتيب الذي أعلن غداة إقفال صناديق الإقتراع. ووفقاً للمادة 75 من الدستور، أدّى في 19-04-2004 الرئيس المنتخب لولاية ثانية عبد العزيز بوتفليقة اليمين الدستوريّة أمام رئيس مجلس الأمّة عبد القادر بن صالح، ورئيس المجلس الشعبيّ الوطنيّ كريم يونس، ورئيس الحكومة أحمد أو يحيى، ورئيس المجلس الدستوريّ محمد بجاوي، وأعضاء الحكومة والبرلمان وكبار المسؤولين العسكريّين والمدنيّين، والسلك الديبلوماسيّ المعتمد في الجزائر. وإثر أدائه اليمين الدستوريّة، ألقى الرئيس المنتخب كلمة شرح فيها حصيلة ولايته الأولى في ضوء الانتقادات التي وجّهت له أثناء الحملة الإنتخابية، فأكّد على أنّ "الانشغالات المتعلّقة بالأمن تحوّلت اليوم بعون الله من الصدارة إلى الدرجة الثانية من الاهتمام... (لأنّ) الإرهاب قد تمّ بكل إصرار وفعاليّة، دحره وحصره، بقوة الله، وتمّ بقدرة الله تحجيمه عند حدود بعض البؤر". وأشار إلى أنّ سياسة الوئام المدنيّ التي اعتمدها لمعالجة ملفّ الجماعات المسلّحة "أعادت إلى الجزائريّين حبّ الحياة بتخليصهم من التهديدات المستمرّة التي كانت تجعل حياتهم اليوميّة قطعة من جحيم". وأضاف أنّ دعوته إلى "الاستمراريّة بدل التغيير" في الإنتخابات الرئاسيّة كانت تهدف إلى "إخماد نار الفتنة نهائيّاً". وعن التحدّيات التي تواجهه خلال ولايته الثانية، ركّز الرئيس بوتفليقة على مشاكل البطالة، وتوفير السكن، وإعادة الحياة إلى المناطق المهجورة بسبب أعمال العنف. وأكّد على أنّ الولاية الثانية ستشهد "تنفيذ الإصلاحات الأساسيّة التي جرى التحضير لها خلال الولاية الأولى، والتي تشمل قطاعات العدالة والتربية وتنظيم هياكل الدولة". كما عبّر الرئيس عن قناعته بإمكانيّة التوصّل إلى "حلّ مرضٍ" للأزمة في منطقة القبائل، محذّراً في الوقت نفسه سكان المنطقة من "الخضوع للمتطرّفين... (لأنّ) كلّ تطرّف يؤدّي إلى تطرّف آخر، ويفضي - لا محالة - إلى العنف والمجابهات والخراب" ودعاهم إلى تبنّي "الرأي السليم السديد في المشاكل المطروحة، ومواصلة الحوار الذي شرعنا فيه وبدأ يؤتي أُكله".
_________________________________
المصادر:
- الشرق الأوسط: http://www.aawsat.com
02-01-2004 + 06-01-2004 + 20-01-2004 + 08-02-2004 + 18-02-2004 + 19-02-2004 + 20-02-2004 + 21-02-2004 + 22-02-2004 + 25-02-2004 + 03-03-2004 + 12-03-2004 + 19-03-2004 + 22-03-2004 + 30-03-2004 + 31-03-2004 + 02-04-2004 + 04-04-2004 + 06-04-2004 + 07-04-2004 + 08-04-2004 + 09-04-2004 + 10-04-2004 + 11-04-2004 + 12-04-2004 + 19-04-2004 + 20-04-2004.
- الحياة: http://www.daralhayat.com
29-03-2004 + 30-03-2004 + 31-03-2004 + 01-04-2004 + 02-04-2004 + 04-04-2004 + 05-04-2004 + 06-04-2004 + 07-04-2004 + 08-04-2004 + 09-04-2004 + 10-04-2004 + 11-04-2004 + 12-04-2004 + 20-04-2004.
- الجزيرة: http://www.aljazeera.net
07-02-2004 + 11-02-2004 + 14-02-2004 + 21-02-2004 + 22-02-2004 + 23-02-2004 + 26-03-2004 + 06-04-2004 + 08-04-2004 + 09-04-2004 + 11-04-2004 + 15-04-2004.
- وكالة الأنباء الجزائريّة - واج -: http://www.aps.dz
07-02-2004 + 24-02-2004 + 09-03-2004 + 18-03-2004 + 03-04-2004 + 05-04-2004 + 06-04-2004 + 08-04-2004 + 09-04-2004 + 10-04-2004 + 11-04-2004 + 12-04-2004 + 16-04-2004 + 17-04-2004 + 18-04-2004 + 19-04-2004.

أعلى الصفحة الحالية