![]() |
|
|
|
|
|
برنامج إدارة الحكم في الدول العربية: التقرير السنوي 2004: العراق
نقل السلطة إلى الحكومة العراقيّة المؤقّتة: وقد أثار حدث نقل السلطة في العراق العديد من ردود الفعل المحليّة والعربيّة والإقليميّة والدوليّة. ففي حين وصف رئيس الحكومة العراقيّة المؤقّتة أياد علاّوي 28 حزيران/يونيو بأنّه "يوم تاريخيّ"، قال وزير الخارجيّة العراقيّ هوشيار زيباري "إنّنا مسرورون للغاية، نشعر بالثقة، ومستعدّون لتحمّل المسؤوليّة". وفي المقابل، وصفت "هيئة علماء المسلمين" (أهمّ هيئة إسلاميّة سنّية دينيّة سياسيّة في العراق) في بيان لها عمليّة نقل السلطة بأنّه "مجرّد خداع للشعب العراقيّ... (و) لا تعدو كونها عمليّة شكليّة سلمت من خلالها أوراق الحكومة، ولا ترى فيها الهيئة تسليماً حقيقيّاً للسلطة". أمّا على المستوى العربيّ، فقد لاقت خطوة نقل السلطة ترحيباً من العواصم العربيّة. فأعلنت الكويت استئناف علاقاتها المقطوعة مع جارها العراق منذ عام 1990، وأملت في أن يستقرّ الوضع في العراق مع وجود "حكم عراقيّ وليس حكماً أجنبيّاً". وفي الأردن رحّب وزير الخارجيّة الأردنيّ مروان المعشّر بنقل السلطة، وشدّد على ضرورة مساعدة الحكومة المؤقّتة والشعب العراقيّ. ووصفت دولة الإمارات العربيّة المتّحدة ما جرى بأنّه "خطوة أخرى مهمّة على طريق الاستقرار". في حين اعتبرتها اليمن بأنّها "خطوة على طريق تسليم السلطة الكاملة والمطلقة إلى الشعب العراقيّ، وبداية لإنهاء الإحتلال". أمّا الأمانة العامّة لمجلس التعاون الخليجيّ فقد دعت المجتمع الدوليّ لمساندة العراق، وتسهيل مهام الحكومة المؤقّتة. واعتبرت نقل السلطة "خطوة في طريق تسليم السلطة الكاملة للشعب العراقيّ". وفي القاهرة، أعلن وزير الخارجيّة المصريّ أحمد ماهر عن ترحيب بلاده بالخطوة (نقل السلطة) وأعرب عن أمله في "أن تكون عمليّة نقل السيادة إلى العراقيّين حقيقيّة وشفّافة... (و) أن يستعيد العراق كامل سيادته". واعتبرت الحكومة اللبنانية "ما تحقّق في العراق خطوة مهمّة على طريق إنهاء معاناة الشعب العراقيّ" على أمل أن تؤدّي إلى "عودة السيادة الكاملة". كما رحّبت الجامعة العربيّة بنقل السلطة، وأعرب الأمين العام للجامعة عمرو موسى عن أمله في "أن تمارس الحكومة المؤقّتة السيادة بطريقة تحقّق لها الشرعيّة". أمّا على المستوى الإقليميّ، فقد أعلنت إيران عن ترحيبها "بأيّ خطوة في اتّجاه إنهاء إحتلال العراق من قبل قوّات أجنبيّة"، ودعا وزير الخارجيّة التركيّ عبد الله غل المجتمع الدوليّ إلى مساعدة العراق الذي مزّقته الحرب، واصفاً خطوة نقل السلطة "بالجيّدة". في حين أكّدت أندونيسيا على "أهميّة قيام الأمم المتّحدة بدور أكبر في هذه العمليّة (نقل السلطة)... (متمنّية) أن يؤدّي ذلك إلى تقليل أعمال العنف". كما رحّبت بعملية نقل السلطة اليابان، والفيليبّين، وكوريا الجنوبيّة، وتايلند. وعلى المستوى الدوليّ، رحّب الرئيس الأمريكيّ جورج بوش بنقل السلطة إلى العراقيّين كمؤشّر على "أنّ رؤساءها الجدد جادّون بشأن تهدئة أعمال العنف في العراق". كما رحّب رئيس الوزراء البريطانيّ توني بلير بالخطوة واعتبرها محاولة "لأخذ زمام المبادرة من المسلّحين". في حين قال المتحدّث باسم بلير "المهمّ الآن هو أنّ الشعب العراقي يستطيع أن يرى قادة عراقيّين يتولّون المسؤوليّة في بغداد... (وأنّ) الإرهابيّين الآن يهاجمون ممثّلي الحكومة العراقيّة وليس ممثّلي التحالف". ورأى وزير الدفاع الأوسترالي روبرت هيل في عمليّة نقل السلطة "خطوة مهمّة في عمليّة الانتقال إلى حكومة عراقيّة منتخبة ممثّلة للعراقيين بشكل تامّ". وأبدت روسيا على لسان نائب وزير خارجيّتها يوري فيدوتوف استعدادها لتطوير اتّصالاتها مع الحكومة الجديدة، مؤكّدة على أنّ ذلك "يعتمد على الطريقة التي تعمل بها الحكومة (العراقيّة المؤقّتة) على تقوية العمليّة السياسيّة، وتوسيع القاعدة الاجتماعيّة السياسيّة في البلاد". كما اعتبرت الحكومة الألمانيّة ما جرى "خطوة مهمّة للعراق على طريق العودة إلى صفوف الدول المستقلّة". أمّا فرنسا، فقد أعلنت موقفها على لسان المتحدّثة باسم الرئاسة الفرنسيّة كاترين كولونا التي قالت: "نأخذ علماً بالطبع في أنّ نقل السيادة حدث مرتقب ومهمّ. إنّها مرحلة في العمليّة السياسيّة التي ستمتدّ حتى 2005". وفي السياق نفسه، رحّبت المفوضيّة الأوروبيّة بنقل السلطة، وأعلنت المتحدّثة باسم المفوضيّة ريغو كمبينن "إنّ الاتّحاد الأوربيّ متّحد في رغبته في مساعدة العراق... (و) نقل السلطة إلى الحكومة المؤقّتة ليس سوى مرحلة أولى في عمليّة طويلة".
قرار مجلس الأمن رقم 1546: الجدير بالذكر أنّ قرار مجلس الأمن رقم 1546 (هو بالأساس مشروع أمريكيّ - بريطانيّ) كان قد واجه تحدّيان: الأول، دوليّ تمثّل في معارضة فرنسا، وألمانيا، والصين، وروسيا لمشروع القرار الأمريكيّ - البريطانيّ ممّا دفع أصحاب المشروع إلى إدخال تعديلات عليه طالت بالأساس الصلاحيّات الممنوحة للحكومة المؤقّتة بهدف توسيعها لتشمل السيطرة على الجيش والشرطة والمشاركة في تحمّل المسؤوليات الأمنية، وتحديد كانون الثاني / يناير 2006 كحدّ زمنيّ لإنهاء التفويض الممنوح للقوّة الدوليّة، وذلك بالتزامن مــع إنجاز العمليّة السياسيّة التي تؤمّن للعراق دستوراً جديداً وحكومة منتخبة. والتحدّي الثاني، عراقيّ تمثّل بالموقف الذي اتّخذه المرجع الشيعيّ الأعلى آية الله علي السيستاني بتوجيهه رسالة إلى مجلس الأمن عشيّة التصويت على القرار الدوليّ، يحذّر فيها من إدراج قانون إدارة الدولة العراقيّة المؤقّت في القرار الدّوليّ، لأنه لا ينصّ على أنّ الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع، ويمنح الأكراد حقّ الفيتو في الإستفتاء على الدستور الدائم، وأنّ صياغته تمّت في ظلّ الإحتلال، ومن قبل هيئات غير منتخبة، ولا تتمتع بالشرعيّة. لكنّ صدور القرار الدوليّ رقم 1546 خالياً من أيّ إشارة إلى الدستور المؤقّت، أثار استياء زعامات كرديّة على رأسها مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ. وأصدر برلمان إقليم كرسدتان بياناً أعلن فيه أنّ "شعب كردستان لن يتخلّى عن الفيدراليّة وحقوقه المشروعة والقانون الذي أقرّهما، والذي صدر في الثامن من مارس (آذار) الماضي. ولا يحقّ لأحد أن يلعب بمصيره ومقدّراته، أو يفرض إرادته عليه وعلى أغلبيّة شعب العراق، أو أن يمسّ تضامن ووحدة وتوافق أبناء الشعب". وفرغت بغداد في 10-06-2004 من المسؤولين الأكراد الذين توجّهوا إلى أربيل (شمال العراق) لتدارس الموقف من قرار مجلس الأمن. في حين أكّد رئيس الحكومة الكرديّة نيتشرون بارزاني على أنّ "شعب كردستان لا يساوم أبداً على جوهر قانون إدارة الدولة للمرحلة الإنتقاليّة، وإذا لم يجرِ الإعتراف بشكل رسميّ بحقوقه، فإنّ وحدة الأراضي العراقيّة ستتعرّض للخطر". وعكست المواقف الكرديّة المخاوف من أن يخسر الأكراد في حال كتابة دستور جديد وإجراء إنتخابات عامّة الإمتيازات الفيدراليّة التي يطالبون بها بعدما أغفل القرار الدوليّ رقم 1546 ذكر دستور الدول المؤقّت. وقد استطاع التدخّل الأمريكيّ تبديد المخاوف الكرديّة، وذلك عبر التطمينات التي قدّمت مباشرة إلى القيادات الكرديّة، والتي ترافقت مع تراجع رئيس الحكومة العراقيّة المؤقّتة أياد علاّوي عن قرار حلّ الميليشيات الكرديّة (البيشمركة) باعتبارها "قوات ثوريّة" لا يسري عليها قرار الحكومة العراقيّة حلّ الميليشيات. ومن باب التطمين لأطرافٍ أخرى أيضاً، اتّخذت الحكومة في اليوم نفسه 10-06-2004 قراراً بإعادة 12 ألف بعثيّاً إلى وظائفهم من أصل 60 ألفاً شملتهم قرارات "اجتثاث البعث". وعقب يومين من الإجتماعات الكرديّة في أربيل (شمال العراق) أعلن نائب الرئيس العراقيّ روز نوري شاويس، الذي يتولّى أيضاً الرئاسة الدوريّة للبرلمان الكرديّ، أنّ "البرلمان قرّر تبنّي موقف إيجابيّ من قرار مجلس الأمن، لأنّ الجميع يؤكّد احترامه لقانون إدارة الدولة الإنتقاليّة". وما يشار إليه في هذا المجال، أنّ البرلمان الكرديّ ومقرّه أربيل تأسّس في 04-06-1992، وهو يضمّ 105 نوّاب موزّعين بالتساوي بين الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ بزعامة مسعود بارزاني، والإتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ بزعامة جلال الطالباني، وخمسة أعضاء من الكلدان والأشوريّين.
دستور مؤقّت... ورئاسة وحكومة مؤقّتتان للعراق: أمّا أهمّ ما ورد في الدستور المؤقّت فهو اعتباره القانون الأعلى في العراق خلال المرحلة الإنتقاليّة التي تنتهي حال استلام السلطة من قبل حكومة عراقيّة منتخبة بموجب دستور دائم في موعد أقصاه 31 كانون الأول/ديسمبر 2005. وينصّ الدستور على أن تكون المرحلة الإنتقاليّة من فترتين: الأولى، تبدأ في 30-06-2004 بنقل السلطة إلى حكومة عراقيّة مؤقّتة وحلّ سلطة التحالف المؤقّتة. والثانية، تبدأ مع حكومة عراقيّة إنتقاليّة جديدة بعد إجراء انتخابات الجمعيّة الوطنيّة قبل 31-01-2005. كما تضمّن الدستور مبادئ أساسيّة جاء فيها أنّ نظام الحكم في العراق سيكون جمهوريّاً واتحاديّاً وديمقراطيّاً وتعدّدياً، وتخضع فيه القوّات المسلّحة العراقيّة للقيادة السياسيّة المدنيّة، وأنّ الإسلام هو الدين الرسميّ للدولة، ومصدر للتشريع مع ضمان حريّة الأفراد في العقيدة والممارسة الدينيّة، والعربيّة والكرديّة هما اللغتان الرسميّتان في البلاد. وأكّدت المبادئ الأساسيّة على أنّ العراقيّين متساوين في حقوقهم بغضّ النظر عن الجنس، والقوميّة، والدين، أو الأصل العرقيّ. ولهم الحقّ في استعادة جنسيّتهم العراقيّة التي حرموا منها بشكل غير عادل من قبل الأنظمة العراقيّة السابقة. وستضمن الحكومة للعراقيّين حريّة الفكر والتعبير، والتجمّع السلميّ والتنظيم، والحصول على محاكمات عادلة يعدّ فيها المتّهم بريئاً حتى تثبت إدانته، والتصويت وفقاً لقانون إنتخابات حرّة نزيهة وتنافسيّة ودوريّة، وتقديم الشكاوى ضدّ المسؤولين الذين ينتهكون هذه الحريّات. وأعطى الدستور المؤقّت الحكومة الإتّحاديّة المركزيّة الحقّ الحصريّ في ممارسة سلطة السيادة في رسم سياسة الأمن الوطنيّ، والسياسة الخارجيّة والتمثيل الديبلوماسيّ، والسياسة الوطنيّة الماليّة والنقديّة والتجاريّة، وإدارة الموارد الوطنيّة وإنفاق عوائدها على مناطق العراق المختلفة بشكل متساو. وأشار الدستور إلى أنّ انتخاب الجمعيّة الوطنيّة يجب أن يتمّ بشكل حرّ، وبموجب قانون انتخابيّ يصمّم لتحقيق نسبة تمثيل للنساء لا تقلّ عن ربع أعضاء الجمعيّة وتمثيل عادل لكلّ الجماعات العرقيّة. وحدّد الدستور المهمة الرئيسية للجمعيّة الوطنيّة بتشريع القوانين والإشراف على عمل السلطة التنفيذيّة التي ستتكوّن من مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء. كما لحظ على المستوى القضائيّ تشكيل محكمة إتّحاديّة عليا مكوّنة من تسعة أعضاء من مهامها التأكّد من انسجام القوانين الصادرة في العراق مع قانون إدارة الدولة في المرحلة الإنتقاليّة. وجاء في الدستور أيضاً أنّ الفدراليّة والحكومات المحليّة ستضمن وحدة العراق، وتمنع تركيز السلطة لدى الحكومة المركزيّة.. وبناء على ذلك اعترف الدستور بحكومة إقليم كردستان بصفتها الإقليميّة الرسميّة، وأفسح في المجال لباقي محافظات العراق بإنشاء حكومات إقليميّة، يجوز لها أن تمارس كل الصلاحيّات التي لا تعود حصراً للحكومة. ونصّ الدستور المؤقّت على إجراء انتخابات مجالس المحافظات، والمجلس الوطنيّ الكردستانيّ في نفس موعد إجراء إنتخابات الجمعيّة الوطنيّة (قبل 31-01-2005) التي ستكون مسؤولة عن صياغة الدستور الدّائم للعراق الذي سيتمّ عرضه على استفتاء شعبيّ عامّ في موعد أقصاه 15-10-2005. وبعد الموافقة على الدستور سيتمّ إجراء انتخابات لإختيار حكومة جديدة تتولّى السلطة في موعد أقصاه 31-12-2005. كما نصّ الدستور المؤقّت على الشراكة بين القوّات المسلّحة العراقيّة، وقوّات التحالف للدفاع عن أمن العراق. وأعطى الحكومة العراقيّة المؤقّتة الصلاحيّة في التّفاوض، وإبرام الإتفاقيّات الأمنيّة مع قوّات التحالف. أمّا الخطوة الثانية في بناء مؤسّسات إدارة الحكم في العراق، فكانت إختيار رئيس وزراء مؤقّت، وتشكيل الحكومة العراقيّة المؤقّتة الذي تمّ بالتزامن مع إختيار رئيس مؤقّت للعراق ونائبين له. ففي اجتماع حضره الحاكم المدنيّ الأمريكيّ للعراق بول بريمر، ومبعوث الأمين العامّ للأمم المتّحدة للعراق الأخضر الإبراهيمي، إختار مجلس الحكم الإنتقاليّ في 28-05-2004 أياد علاّوي لشغل منصب رئيس الحكومة المؤقّتة، التي ستتولّى الحكم بعد نقل السلطة في 30-06-2004. وأعلن حميد الكفائي الناطق باسم مجلس الحكم الإنتقاليّ "أنّ أياد علاّوي اختير بالإجماع لمنصب رئاسة الحكومة... (و) أنّ ذلك تمّ بالإتّفاق مع الإبراهيميّ وسلطة الإحتلال". وعلى إثر ذلك، أعلن الأخضر الإبراهيميّ عن ارتياحه "المطلق" لعمليّة الإختيار، مؤكّداً العمل مع رئيس الوزراء أياد علاّوي على إكمال تشكيلة الحكومة المؤقّتة. وإذا كانت السلاسة قد طبعت عمليّة اختيار أياد علاّوي لمنصب رئاسة الوزراء، فإنّ عمليّة اختيار رئيس الجمهوريّة المؤقّت لم تكن كذلك. فقد شهد مجلس الحكم الإنتقاليّ عدّة اجتماعات ماراثونية كان طابعها التوتّر والتشنّج. إذ أصرّ أكثر أعضاء مجلس الحكم على اختيار غازي عجيل الياور، في حين حاولت سلطة التحالف ممثّلة بالحاكـم المدنيّ الأمريكيّ للعراق بول بريمر الضغط باتّجاه اختيار عدنان الباجه جي، في الوقت الذي أعلنت فيه أنّها لا تمارس ضغوطاً مؤكّدة على أنّ الأمم المتحدة "تشرف على عملية التعيين". ورغم إعلان أكثر من مصدر أنّ مجلس الحكم الإنتقاليّ وسلطة التحالف المؤقّتة اتّفقا على اختيار الباجه جي لمنصب رئيس دولة العراق، وأنّ هذا الخيار يحظى بدعم مبعوث الأمم المتّحدة الأخضر الإبراهيميّ، إلاّ أنّ حالة الحيرة والغموض ظلّت سيّدة الموقف، إلى أن أعلن الإبراهيمي في 01-06-2004 أنّ الشيخ غازي عجيل الياور قد اختير رئيساً للجمهوريّة خلال الفترة الإنتقاليّة، ليصبح بذلك سادس رئيس للجمهوريّة في العراق، وأوّل رئيس لعراق ما بعد صدام حسين. كما تمّ تعيين روز نوري شاويس، رئيس برلمان كردستان، وإبراهيم الجعفريّ زعيم حزب الدعوة الإسلاميّ نائبين له. وعلى أثر اختيار الياور رئيساً مؤقّتاً للعراق، أعلن في اليوم نفسه تشكيلة الحكومة العراقيّة المؤقّتة التي ستتسلّم السلطة في العراق في 30-06-2004. وجرت مراسم التنصيب لأعضاء السلطة الجديدة التي ستتولّى إدارة البلاد حتّى الإنتخابات العامّة، وحلّ مجلس الحكم نفسه في أحد قصور الرئيس العراقيّ السابق صدام حسين في حي الحارثيّة داخل المنطقة الخضراء، التي تسيطر عليها القوّات الأمريكيّة في بغداد. وتميّزت تشكيلة الحكومة العراقيّة المؤقّتة بضمّها أطيافاً واسعة من القوى السياسيّة العراقيّة لتجنّب مأزق التمثيل الذي عانى منه مجلس الحكم المنحلّ الذي شكّل أواخر تمّوز/يوليو 2003، ووجود وزراء بعثيّين سابقين، إضافةً إلى وجود ستّ وزيرات في التركيبة الحكوميّة، التي حافظ فيها وزير الخارجيّة العراقيّ هوشيار زيباري على منصبه، وباشر على الفور أولى مهامه بتمثيل العراق في المشاورات الدوليّة الهادفة إلى إصدار قرار من مجلس الأمن الدوليّ يضفي الشرعيّة على عمليّة نقل السلطة في العراق إلى الحكومة المؤقّتة في 30-06-2004. وأعقب إعلان تشكيلات المؤسّسات التنفيذيّة للسلطة العراقيّة الإنتقاليّة العديد من ردود الفعل الدوليّة والعربيّة والعراقيّة. فعلى الصعيد الدوليّ، اعتبر الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمين العام للأمم المتّحدة "أنّ تشكيلة الحكومة الإنتقالية تمثّل شريحة واسعة من العراقيّين... (و) إنّ من لم يمثّلوا في الحكومة سيمثّلون في المؤتمر الوطنيّ". ونفى الرئيس الأمريكيّ جورج بوش أيّ تدخّل لإدارته في تشكيل الحكومة الإنتقاليّة، ورأى "أنّ الأخضر الإبراهيمي أوصى بفريق يملك المؤهّلات، والإلتزام، والتصميم لقيادة العراق عبر التحدّيات في المستقبل". واعتبرت كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأمريكيّ لشؤون الأمن القوميّ اختيار الياور، وإعلان تشكيل الحكومة العراقيّة "خطوة إيجابيّة لمستقبل عراق حرّ". في حين اعتبر رئيس وزراء بريطانيا توني بلير تشكيل الحكومة العراقيّة "يمثّل يوماً مهمّاً في تاريخ العراق... (و) يجب أن يتبع ذلك قرار من مجلس الأمن بشأن نقل السيادة في العراق"، وقال الناطق باسمه "إنّها حكومة ستقود البلاد من الإحتلال إلى الإستقلال، ثم إلى الديمقراطيّة في كانون الثاني/يناير المقبل". كما رحّب رئيس الوزراء الأوستراليّ جون هوارد بما سمّاه "التقدّم الذي يحدث حاليّاً في العراق". كذلك رحّبت الرئاسة الإيرلنديّة للإتّحاد الأوروبيّ وعواصم غربيّة عدّة بتشكيل الحكومة العراقيّة. وعلى الصعيد العربيّ، سجّل ردّ فعل إيجابيّ يختلف عمّا كان عليه الموقف عندما أنشأت الولايات المتّحدة الأمريكيّة مجلس الحكم في العراق العام الماضي. فقد بادر الرئيس المصريّ حسـني مبارك إلى الإعراب عن ترحيبه، وبعث ببرقيّتي تهنئة ودعم لكلّ من الرئيس العراقيّ غازي الياور، ورئيس الوزراء أياد علاّوي. ورحّب الأمين العامّ للجامعة العربيّة عمرو موسى باختيار رئيسٍ مؤقّتٍ للعراق، لافتاً إلى أنّ الوضع الجديد للعراق يتوقّف على "قرار مجلس الأمن والأمم المتّحدة". كما رحّب الأردن بهذه الخطوة على لسان وزير خارجيّته مروان المعشّر الذي قال: "إن العراقيّين يسيرون في الطريق الصحيح نحو استرداد السيادة... ونحن نرحّب أيضاً بالدور المتزايد للأمم المتّحدة، خصوصاً في مجال الإعداد والإشراف على الإنتخابات المقبلة". كذلك رحّبت بهذا الحدث العراقيّ كلّ من الإمارات العربيّة المتّحدة، والكويت، والسعوديّة، والبحرين، وعواصم عربيّة أخرى. أمّا على الصعيد العراقيّ، فقد منح المرجع الشيعيّ الأعلى آية الله علي السيستاني الحكومة الجديدة موافقته الضمنيّة بتأكيده على أنّ الحكومة ستكون أمام اختبار كبير لإثبات قدرتها على تحقيق الأمن، وتوفير الخدمات، وتنظيم الإنتخابات، واستصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدوليّ من أجل انتزاع سيادة كاملة ومحو "جميع آثار الإحتلال الذي تقوده الولايات المتّحدة". وفي المقابل، اعتبر السيستاني أنّ هذه الحكومة تفتقر إلى "شرعيّة الإنتخاب... ولا تمثّل بصورة مقبولة جميع الأطراف في المجتمع العراقيّ... (وستكون) خطوة في الإتّجاه الصحيح إذا نجحت في الوفاء بأهدافها". وفي سياق المواقف من الحكومة الجديدة، أعلن إبراهيم الجعفريّ بعد اختياره نائباً للرئيس العراقيّ "أنّ حزب الدعوة - الذي ينتمي إليه - تحفّظ على تشكيلة حكومة علاّوي". وأعرب عن أمله في أن "تتمكّن من تحمّل مسؤوليّاتها في شكل عادل ومتّزن". أمّا التيّارات والأحزاب السياسيّة والدينيّة التي لم تمثّل في الحكومة، فقد انتقدت أسلوب اختيار الوزراء، وشكّكت في قدرة الحكومة الجديدة على إنجاز المهام الملقاة على عاتقها. فأعلنت الحركة الملكيّة الدستوريّة على لسان رئيسها الشريف عليّ بن الحسين "أنّ الحكومة الحاليّة هي استمرار لمجلس الحكم، أو مجلس حكم مقلّص... (وقد تمّ) استبعاد العديد من الأطراف العراقيّة من العمليّة السياسيّة". وانتقد إبن الحسين "عدم شفافيّة آليّة تشكيل الحكومة... (و) أسلوب الإبراهيميّ (مبعوث الأمم المتّحدة) الذي أثار الخلافات بين العراقيّين... ووعد بأنّ الحكومة لن تكون مستنسخة عن مجلس الحكم". كما انتقد المؤتمر الوطنيّ العراقيّ (بزعامة أحمد الجلبي) على لسان أحد قادته البارزين مِثال الألّوسي "التعتيم" على آليّة تشكيل الحكومة الجديدة، واعتبرها جاءت حصيلة "مساومات على المصلحة العراقيّة... (و) أنّ الأخضر الإبراهيميّ كلّف بالمهمّة بسبب عجز الإدارة الأمريكيّة عن تأمين تمثيل جيّد". وفي المقابل، عبّر قيس العزّاوي المتحدّث باسم الحركة الإشتراكيّة العربيّة عن "خيبته" حيال "آليّة تشكيل الحكومة الجديدة، والحصيلة التي جاءت بها". مشيراً إلى "ضغوط" مورست على الأخضر الإبراهيميّ. وفي السياق نفسه، أعلن التيّار الصدريّ (بزعامة مقتدى الصدر) عدم رغبته في أيّ منصب، معتبراً أنّ "مجلس الحكم الإنتقاليّ باطل، لأنّه معيّن من قبل الإحتلال، والأمر نفسه ينطبق على هذه الحكومة". أمّا المتحدّث الرسميّ باسم "هيئة علماء المسلمين" (أهمّ هيئة دينيّة سياسيّة للمسلمين السنّة) محمّد بشار الفيضي، فانتقد "أسلوب المحاصصة الطائفيّة والقوميّة في تشكيل الحكومة". واعتبر أنّ "الأمريكيّين هم الذين فرضوا هذا الأسلوب وليس العراقيّين". معلناً أنّ الهيئة "لن تشارك في أيّة حكومة يعيّنها الإحتلال". وبغضّ النّظر عن المواقف المتعارضة للقوى السياسيّة العراقيّة، فإنّ الحكومة العراقيّة المؤقّتة التي شكّلت في 01-06-2004 بادرت إلى مباشرة أعمالها في إطار الإستعداد لاستحقاق نقل السلطة، الذي مثّل القرار الدولي رقم 1546 الصادر في 08-06-2004 الغطاء الشرعيّ الدوليّ له. وفي خطوة اعتبرت تمهيداً لجعل الحكومة المؤقّتة المؤسّسة العراقيّة الوحيدة التي تملك أذرعاً عسكريّة شرعيّة (جيش - حرس وطني - قوى أمن - مخابرات، الخ) اتّخذت سلطة التحالف المؤقّتة بقيادة الحاكم المدنيّ الأمريكيّ للعراق بول بريمر في 05-06-2004 قراراً بحلّ الميليشيات التابعة لتسعة أحزاب عراقيّة رئيسيّة، وهي: الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ، والإتحاد الوطنيّ الكردستانيّ، والحزب الإسلاميّ العراقيّ، والمجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة في العراق (منظمة بدر)، حركة الوفاق الوطنيّ (بزعامة أياد علاّوي)، المؤتمر الوطنيّ العراقيّ (بزعامة أحمد الجلبي)، حزب الله في العراق، الحزب الشيوعيّ العراقيّ، وحزب الدعوة الإسلاميّ. وجاء القرار الذي حمل الرقم 91 الصادر عن سلطة التحالف، وتلاه رئيس الوزراء الجديد أياد علاّوي بصفته قراراً صادراً عن حكومته، ليشير إلى أنّ أهمّ هدف ستكرّس الحكومة نفسها لتحقيقه هو إشاعة الأمن، وإزالة حالة الفوضى التي أعقبت سقوط النّظام السابق، وحلّ قوّاته العسكريّة والأمنيّة. ووضع حدّ للإستعانة بالميليشيات لحفظ الأمن، ودعم العمليّات العسكريّة للقوّات الأمريكيّة والقوّات الدّولية المتحالفة معها. وورد في القرار أنّه جاء "نتيجة مفاوضات ناجحة على مستوى القطر حول التحوّل، وإعادة اندماج الميليشيات والقوّات العسكريّة الأخرى التي كانت سابقاً خارج سيطرة الدولة... (و) أنّ الغالبيّة العظمى من هذه القوّات في العراق، والتي تقدّر بحوالي 100 ألف شخص مسلّح، ستتحوّل إلى الحياة المدنيّة، أو تندمج في إحدى قوّات الأمن التابعة للدولة، مثل القوّات المسلّحة العراقيّة، أو قوّات الشرطة العراقيّة، أو قوّات الأمن الداخليّ لحكومة إقليم كردستان". ولكنّ رئيس الحكومة أياد علاّوي ما لبث أن استثنى الميليشيات الكرديّة (البيشمركة) التي تضمّ أكثر من 120 ألف مقاتل من قرار الحلّ في أثناء العمل على حشد القوى السياسيّة المختلفة خلف قرار مجلس الأمن رقم 1546 الصادر في 08-06-2004 والذي أغفل ذكر الدستور المؤقّت للعراق بناء على طلب المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني، ما أثار "غضبة" كردية عملت الإدارة الأمريكيّة والحكومة العراقيّة على تهدئتها. وعلى صعيد آخر، وقبل نقل السلطة إلى الحكومة المؤقّتة بأيام معدودة (17-06-2004) كشف جيمس جيفري الرجل الثاني في الطاقم الديبلوماسيّ الأمريكيّ الذي يبدأ مهامه بعد نقل السلطة في العراق، عن أنّ 150 عضواً من السفارة الأمريكيّ' في بغداد، إضافة إلى 50 آخرين من بلدان التحالف سيعملون بعد نقل السلطة إلى العراقيّين كمستشارين في جميع الوزارات العراقيّة، بما في ذلك وزارة الداخليّة. وأوضح جيفري أنّ هؤلاء المستشارين سيعملون تحت رعاية مكتب إعادة إعمار العراق التابع للسفارة الأمريكيّة، وستكون مهمّتهم "تقديم النّصح للسفير الأمريكيّ بشأن إدارة المساعدات، وإختيار المشروعات. كما سيكونون الأعين والآذان في الوزارات، ويلعبون دوراً كبيراً في حماية ثروات العراق". أمّا بعد نقل السلطة الذي تمّ في 28-06-2004، فإنّ أهمّ قرارات صدرت عن الحكومة العراقيّة المؤقّتة تمثّلت في إعلان حالة الطوارئ في 07-07-2004. وجاء في حيثيّات القرار حسبما أعلنها وزيـر العدل مالك دوهان الحسن "أنّ هناك ضرورة قصوى وراء إصدار قانون السلامة الوطنيّة بسبب الوضع الأمنيّ المتدهور في البلاد... (و) أنّ حريّات النّاس سيجري تقييدها لفترة محدودة". وأكّد الوزير "أنّ قوّات التحالف التي تقودها الولايات المتّحدة قد تساعد في تنفيذ القانون إذا طلبت الحكومة المؤقّتة منها ذلك". ويمنح قانون إعلان حالة الطوارئ، والذي يطلق عليه إسم "قانون السلامة الوطنيّة" رئيس الحكومة أياد علاّوي صلاحيّات إستثنائيّة تبدأ من فرض حظر التجوّل، إلى إصدار مذكّرات اعتقال، وحلّ الإتّحادات والجمعيّات، وفرض قيود على التّنقّلات والتنصّت على المحادثات الهاتفيّة. وبموجب "قانون السلامة الوطنيّة" يتمتّع رئيس الحكومة أيضاً بفرض السيطرة المباشرة على جميع قوّات الأمن والإستخبارات في المناطق التي تخضع لهذا القانون، ويمكنه فرض هذا القانون خلال فترة محدّدة على بعض مناطق العراق، لكنّ ذلك يستوجب الموافقة المسبقة لرئيس الجمهوريّة المؤقّت غازي عجيل الياور. واعتبر هذا القرار بأنّه "أوّل الإجراءات الرسميّة ضدّ الجريمة والتمرّد، ووضع أسس ردّ صارم على الإضطرابات". وأعقب إعلان "قانون السلامة الوطنيّة" قرار ثانٍ لا يقلّ أهميّة في سياق مواجهة الحالة الأمنيّة المتردّية التي يعيشها العراق. فقد أصدر رئيس الحكومة المؤقّتة أياد علاّوي في 07-08-2004 "قانون العفو العامّ"، الذي دعا فيه أبناء الشعب العراقيّ "من المغرّر بهم، ومن اكتشف بضميره بأنّه على خطأ، إلى التوجّه فوراً إلى أقرب مركز للشرطة، وتقديم المعلومات إلى السلطات المخوّلة لوقف سيل الجرائم والإرهاب... وأنّ السلطات العراقيّة ستوفّر لهم الحماية، فضلاً عن التأهيل للإندماج مجدّداً في المجتمع المدنيّ". وأوضح علاّوي أنّ قانون العفو "يعطي ثلاثين يوماً للمتورّطين... (و) يشمل الأشخاص الذين تورّطوا في جرائم صغرى ولم توجّه لهم أيّ تهمة أخرى حتى الآن، ومن تورّطوا في حيازة أسلحة خفيفة، أو إخفاء معلومات والمشاركة في عصابات إرهابيّة بنيّة القيام بأعمال تخريبيّة". ولم يمض 24 ساعة على إصدار "قانون العفو العامّ"، حتّى أصدرت الحكومة العراقيّة المؤقّتة في 08-08-2004 قراراً يعيد العمل بعقوبة الإعدام. وأعلن وزير الدولة عدنان الجنابي أنّ إعادة العمل بقانون الإعدام "هو من أجل تعزيز الوضع الأمنيّ في العراق... (و) لتذكير العراقيّين بأنّ الأشخاص الذين يرتكبون جرائم ضدّهم، أو أولئك الذين يقتلون عراقيّين، يجب إعدامهم". وتجدر الإشارة إلى أنّ الحاكم المدنيّ الأمريكيّ السابق للعراق بول بريمر كان قد علّق العمل بعقوبة الإعدام في العراق. ولم تفلح مناشدة وزراء خارجيّة الإتّحاد الأوروبيّ الحكومة العراقيّة بعدم تفعيل هذا القانون. أمّا على المستوى الديبلوماسي، فإنّ أهمّ قرار اتّخذته الحكومة العراقيّة المؤقّتة، وأعلنه وزير الخارجيّة هوشيار زيباري في 19-07-2004، كان قرار تعيين 43 سفيراً للعراق في عدد من العواصم العربيّة، والإسلاميّة، والأوروبيّة تشكّل 43 دولة. وأشار زيباري إلى أنّ الهدف من هذه الخطوة هو "استثمار التمثيل الديبلوماسيّ، وتفعيل دور السفارات في الخارج لكي يتبوّأ العراق دوره الطبيعيّ والفاعل في الأسرة الدوليّة".
المؤتمر الوطنيّ العراقي... المجلس الوطنيّ الإنتقاليّ: وقد انعقد المؤتمر الوطنيّ في 15-08-2004 في بغداد، واستمرّ أربعة أيّام وسط إجراءات أمنيّة مشدّدة، وشارك فيه 1300 مندوب يمثّلون الأحزاب السياسيّة، والجماعات الدينيّة، ومنظّمات المجتمع المدنيّ، وتمثّلت النساء بمقتضى الدستور المؤقّت بنسبة 25% من أعضاء المؤتمر. (كان من المفترض أن يعقد المؤتمر في 31-07-2004، وتمّ تأجيله أسبوعين بناء على نصيحة الأمين العامّ للأمم المتّحدة كوفي أنان من أجل استكمال الحوار مع القوى المقاطعة لإقناعها بضرورة الحضور والمشاركة). وكانت قوى سياسيّة عراقيّة قد أعلنت قبل انعقاد المؤتمر مقاطعتها له، وبالأخصّ التيّار الصدريّ بزعامة مقتدى الصدر، الذي وصف المؤتمر بأنّه "مهزلة" مطالباً الأمم المتّحدة بالإشراف عليه، وعلى مدينة النجف الأشرف - التي كان يدور فيها قتال بين أنصار الصدر، والقوات الأمريكيّة - معتبراً أنّ سبب استهداف تيّاره هو رفضه "المشاركة في ما يسمّى المؤتمر الوطنيّ". كما أعلنت هيئة علماء المسلمين في العراق (أهمّ هيئة دينيّة سياسيّة للمسلمين السنّة) بلسان أمينها العامّ الشيخ حارث الضاري أنّها "لن تشترك في أيّ تشكيل سياسيّ، أو رسميّ ما دام الإحتلال موجوداً". وقاطع المؤتمر أيضاً تيّارات وقوى سياسيّة قوميّة لإعتبارات عديدة، أهمّها كون المؤتمر "مجلساً استشاريّاً فقط لا يتمتّع بصلاحيّات تشريعيّة". وقد اعتبر فؤاد معصوم، رئيس اللجنة التحضيريّة العليا للمؤتمر، غياب تيّار مقتدى الصدر، وهيئة علماء المسلمين في العراق "لن تؤثر في شيء على شرعيّة المؤتمر". وكانت اللجنة التحضيريّة للمؤتمر قد واجهت العديد من الصعاب في عمليّة اختيار المندوبين إلى المؤتمر في ظلّ غياب ضوابط وآليّة للإختيار. وقد تمّ اعتماد التقارير التي أعدّت من قبل وزارتي التجـارة والتخطيط للإحصاء السكانيّ، وجرى اختيار ممثّل واحد في المؤتمر لكلّ 50 ألف مواطن. وبناء على صيغة معقّدة لإنتقاء المشاركين، دعي إلى المشاركة في المؤتمر 548 مندوباً من محافظات العراق الثماني عشرة تمّ اختيارهم عبر مؤتمرات مصغّرة في كلّ محافظة، و140 ممثّلاً عن الأحزاب والقوى السياسيّة، و140 من الشخصيّات العلميّة والثقافيّة وزعماء العشائر، و70 ممثّلاً عن مؤسّسات المجتمع المدنيّ، و100 عضو يشكّلون اللجنة التحضيريّة العليا للمؤتمر، إضافة إلى شخصيّات سياسيّة. وقد واجه المؤتمر في أوّل أيّامه أزمة كادت أن تعصف به، وذلك حين انسحب العشرات من المشاركين من قاعة المؤتمر احتجاجاً على تجدّد القتال في مدينة النجف الأشرف بين أنصار الزعيم الشيعيّ الشّاب مقتدى الصدر، والقوات الأمريكيّة، ما دفع المؤتمرين - في محاولة لاحتواء الأزمة وإنقاذ المؤتمر - إلى تشكيل لجنة وساطة للعمل على وقف القتال. وقد استمرّ عمل اللجنة طوال أيّام انعقاد المؤتمر، وبذلك تمّ تفادي انفراط عقد المؤتمر، والإستمرار في فعاليّاته. وكانت الجلسة الأولى للمؤتمر قد افتتحت بكلمة فؤاد معصوم رئيس اللجنة التحضيريّة العليا للمؤتمر، شدّد فيها على أنّ "أعضاء المؤتمر يضعون الحجر الأساس لبناء عراق جديد" معرباً عن أمله في مشاركة شرائح المجتمع العراقيّ كافّة "بغية الوصول إلى أفضل النتائج الممكن تحقيقها لإجراء انتخابات هيئة وطنيّة تساهم بالتعاون مع الحكومة في عملية البناء والتقدّم، والسعي إلى إرساء المثل والقيم الديمقراطيّة في العراق الجديد". في حين اعتبر الرئيس العراقيّ المؤقّت في كلمة له في جلسة الإفتتاح "أنّ المؤتمر يعدّ الخطوة الأولى على طريق النجاح في فهم الصعوبات التي تواجه العراق... (و) أنّ الإحتكام إلى الحلول السلميّة هو الطريق الأنسب لكي يحقّق كلّ طرف مطالبه... وأنّ أفضل وسيلة لإنهاء الإحتلال هو العمل السياسيّ". وفي المقابل، أشار رئيس الوزراء المؤقّت أياد علاّوي إلى "أنّ المؤتمر الوطنيّ ليس نهاية المطاف في العمليّة السياسيّة، لكنّه الخطوة الأولى في البناء". وأكّد على "أنّ أعمال المؤتمر هي الحدث الأهمّ في تاريخ العراق المعاصر". كما كان للأمم المتّحدة حضورها أيضاً في المؤتمر عبر الممثّل الخاصّ لها أشرف قاضي، الذي شدّد في كلمته على أهميّة وجود روح التسامح، واحترام وجهات النظر المختلفة، واعتماد الحلول الوسط للمشاكل التي تحدث في العراق. وخاطب المشاركين في المؤتمر قائلاً: "إذا اتّفقتم على تحديد مسار واضح لإرساء الديمقراطيّة، وجعلتم ذلك هدفاً مشتركاً فسوف تتمكّنون من مواجهة كافّة التحدّيات، وبناء على ذلك فإنّ نجاحكم في إنتخاب مجلس انتقاليّ يصبّ في مصلحة العراقيّين". وأكّد ممثّل الأمم المتّحدة الخاصّ على ضرورة أن تتحلى أعمال المؤتمر بالمصداقيّة والشموليّة في عمليّة التحولّ في العراق، حيث أنّ الإنتخابات القادمة ستحوّل العراق إلى دولة ديمقراطيّة دستوريّة. وبانتهاء الجلسة الأولى من المؤتمر، تمّ تشكيل أربع لجان: الأولى سياسيّة، والثانية أمنيّة، والثالثة لحقوق الإنسان، والرابعة لقضايا إعادة الإعمار.
وقد استمرّت أعمال المؤتمر أربعة أيّام ناقش خلالها المؤتمرون بياناً صادراً عن الحكومة العراقيّة المؤقّتة، وموجّهاً إلى المؤتمر الوطنيّ باعتباره أولى الوثائق الرسميّة المطروحة على المؤتمر. وقد جاء في البيان / الوثيقة الأولى "أنّ الحكومة العراقيّة المؤقّتة تتحمّل مسؤوليّة تاريخيّة خطيرة للنهوض بمهمّات عديدة
على طريق إنجاز العمليّة السياسيّة، ونقل البلاد إلى حكم المؤسّسات المنتخبة، والدستور الدائم، والإحتكام إلى الرأي العام العراقيّ في كلّ ما يتعلّق بشؤونه العامّة ومستقبله". وحدّد البيان الوزاريّ، الذي اعتبر بمثابة برنامج عمل، حاجات المرحلة المقبلة وأولويات الحكومة في ثماني نقاط هي:
كما تمّت مناقشة أربع أوراق قدّمتها اللجان المنبثقة عن المؤتمر، وهي: الورقة السياسيّة التي شملت إعادة النّظر بالوسائل الكفيلة بإعادة الإستقرار إلى العراق من خلال تحديد ملامح النظام السياسيّ، وإجراء الإنتخابات في موعدها المقرّر، والترحيب بدور الأمم المتحدّة، ومساعيها في هذا الصدد، واستكمال إعادة تشكيل مؤسّسات الدولة العسكريّة والخدميّة، وفرض النظام والقانون، وصيانة سيادة البلاد. أمّا الورقة الأمنيّة، فقد ركّزت على ضرورة استكمال أجهزة الجيش والشرطة والأمن الداخليّ، وتشكيل الأجهزة الإستخباراتيّة، وتشديد مراقبة حدود العراق مع دول الجوار. في حين أكّدت الورقة المتعلّقة بحقوق الإنسان على معالجة التركة الموروثة التي تحمّلها المواطن العراقيّ من حيث انتهاك الحقوق والحريّات الأساسيّة، والتهجير والإبادة الجماعيّة. وضرورة ضمان حريّة الإنسان بغضّ النظر عن الجنس، والدين، والعرق، وإشاعة قيم الإلتزام بالقانون والدستور، وحقوق الأقليّات، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، وإجراء محاكمات عادلة لكلّ من ارتكب جرائم بحقّ المواطنين. أمّا ورقة إعادة الإعمار، فقد أكّدت على ضرورة الشروع ببرنامج وطنيّ لإعادة إعمار العراق، وإجراء مسح اقتصاديّ شامل، وتحديد حجم الأموال والإستثمارات المطلوبة للتمويل، وإعادة إحياء البنى التحتيّة، والعناية بقطاعات الزراعة والصناعة والتعليم على اساس مبدأ التخصيص. أمّا الأزمة الثانية التي عصفت بالمؤتمر - بعد أن ألقت أزمة القتال في النجف بظلالها عليه - فكان سببها آليّة الإنتخاب التي تعتمد الترشيح لعضويّة المجلس الوطنيّ الإنتقاليّ على أساس القائمة؛ ما اعتبره الكثير من المندوبين استبعاداً للقوى السياسية الصغيرة والمستقلّين عملياً من الترشيح لعدم قدرتهم على تشكيل قوائم، ويمهّد لهيمنة الأحزاب الرئيسيّة التي كانت ممثّلة في مجلس الحكم الانتقاليّ. ولم تمنع الخلافات والإعتراضات التي شهدتها الجلسة الختاميّة للمؤتمر من إتمام عمليّة انتخاب 81 عضواً للمجلس الوطنيّ الإنتقالي. وجرى التنافس بين لائحتين: الأولى، "لائحة الوحدة الوطنيّة" التي جرى التوافق على تشكيلتها بين الأحزاب الكبرى، الحزب الديمقراطي الكردستانيّ، والإتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ، وحزب الدعوة الإسلاميّ، والمجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة في العراق، إضافة إلى حركة الوفاق الوطني. والثانية، "لائحة الملتقى الديمقراطيّ". ومنع من الترشيح لائحتان غير مستوفيتين الشروط كونهما لا تتضمّان عدداً كافياً من النساء، كما ينصّ على ذلك الدستور المؤقّت الذي أقرّه مجلس الحكم في آذار / مارس 2004. وجرت عمليّة فرز الأصوات من قبل الهيئة المشرفة على الإنتخابات في ظلّ فوضى كبيرة داخل أروقة المؤتمر، وانسحب العديد من االمشاركين قبل أن يتمّ الإعلان عن الأسماء الفائزة في عضويّة المجلس الوطنيّ الإنتقاليّ. كما أعلن مرشّحو "لائحة الملتقى الديمقراطيّ" انسحابهم متّهمين القيّمين على المؤتمر، بعدم النزاهة والإنحياز إلى جانب "لائحة الوحدة الوطنيّة". وأسفرت الإنتخابات عن فوز "لائحة الوحدة الوطنيّة" المدعومة من الأحزاب الكبرى الممثّلة في الحكومة بغالبيّة الأصوات. وبذلك تمّ انتخاب 81 عضواً (بينهم 22 امرأة) لعضويّة المجلس الوطنيّ العراقيّ الإنتقاليّ ينضمون إلى 19 عضواً هم الأعضاء السابقون في مجلس الحكم الإنتقاليّ المنحلّ الذين لم يحصلوا على مناصب، سياسيّة أو وزاريّة، ليكتمل عقد المجلس الوطنيّ الإنتقاليّ المؤلّف من 100 عضواً؛ علماً أنّ "لائحة الوحدة الوطنيّة" التي فازت بانتخابات المجلس الوطنيّ تمثّل كل الأحزاب السياسيّة، والقوى العراقيّة، والقوميّات والأقليّات خصوصاً اليزيديّة، والصابئة، والفيليّة، والكلدوأشوريين، فضلاً عن التركمان، والأكراد، ورؤساء وشيوخ عشائر عربيّة، وممثّلي منظّمات المجتمع المدنيّ. وتوزّعت اللائحة الفائزة على الشكل التالي: 21 مقعداً للأحزاب السياسيّة، و21 مقعداً للقادة المحليّين، و11 مقعداً لممثّلي الأقليّات، و10 مقاعد لزعماء العشائر، و10 مقاعد لممثّلي المجتمع المدنيّ، و8 مقاعد للمستقلّين. وعلى إثر انتهاء أعمال المؤتمر، أعلن فؤاد معصوم عضو المجلس الوطنيّ العراقيّ الانتقالي - الذي كان يرأس اللجنة التحضيريّة العليا للمؤتمر الوطنيّ العراقيّ - أنّه "لم يَكن هناك أيّ تلاعب، والإنتخابات لم تجر في غرف مغلقة، وإنّما أمام شاشات التلفزيون، وممثّلي الأمم المتّحدة والصحافيّين من دون أن يكون هناك ما نودّ أن نخفيه". وأضاف، أنّ اللوائح عرضت على المؤتمر، ولم يكن هناك أيّ اعتراض عليها، وأنّ "أصحاب لائحة الملتقى الديمقراطيّ هم من قرّر سحب اللائحة، وليس المؤتمر أو الهيئة القضائيّة". ومن جانب آخر، أعرب الممثّل الخاصّ للأمم المتّحدة أشرف قاضي عن "ارتياحه لاختتام المؤتمر الوطنيّ العراقيّ بتشكيل مجلس انتقاليّ بعد أربعة أيّام من الحوار والمداولات المكثّفة... (آملاً) أن يؤدّي هذا التطوّر المهمّ إلى المزيد من الحوار بين كلّ العراقيّين، وإلى مشاركة سياسيّة أوسع". وأوضح أنّ "بعثة الأمم المتّحدة للمساعدة في العراق سوف تستمرّ في تقديم المساعدة للمفوضيّة العليا للإنتخابات العراقيّة في سبيل إجراء انتخابات عادلة وحرّة بحلول 31 كانون الثاني/يناير 2005".
الجدير بالذكر أنّ المجلس الوطنيّ الإنتقاليّ، المنتخب من قبل المؤتمر الوطنيّ في 18-08-2005، من المقرّر أن يعقد أولى جلساته في الأوّل من أيلول/سبتمبر 2004 - حسبما أعلن عضو المجلس فؤاد معصوم - لوضع نظامه الداخليّ، وآليّة عمله، والجدول الزمنيّ لاجتماعاته، وتحديد المسائل التي سيتمّ تناولها في اجتماعاته المقبلة. علماً أنّ المجلس لا يتمتّع بسلطات تشريعيّة باعتباره غير منتخب. ووفقاً لقانون إدارة الدولة العراقيّة المؤقّت ستكون مهمّة المجلس توجيه النّصح للحكومة، ومتابعة أعمالها، ومراقبة تنفيذ القوانين، وتعيين رئيس الجمهوريّة، أو أحد نائبيه في حالتي الإستقالة أو الوفاة. ويحقّ للمجلس استجواب رئيس وأعضاء مجلس الوزراء، ونقض الأوامر التنفيذيّة بغالبيّة ثلثي الأصوات، وإقرار الميزانيّة الوطنيّة للعراق لعام 2005. كما يشارك المجلس في الحوار الوطنيّ حول التحدّيات التي تواجه المجتمع العراقيّ مساهمة منه
في صياغة مستقبل البلاد. وينتهي عمل المجلس بعد إعلان نتائج انتخابات المجلس الوطنيّ المقرّرة في 30 كانون الثاني / يناير 2005.
نقل السلطة في العراق: ملحق وثائقي
|