|
تطوير عمل المجالس النيابية العربية
د. علي الصاوي
الملـخـص:
أصبح موضوع البرلمان أكثر حضوراً على الساحة السياسية والفكرية في العالم العربي، وأصبح تطوير عمل المجالس العربية أكثر أهمية، في ضوء تحديات العصر والاتجاه نحو عولمة تطوير المؤسسات والخبرات السياسية المحلية، مما جعل الأخذ بآليات العمل المؤسسي للديمقراطية، وفي محورها البرلمان، سمة شبه حتمية للدولة المعاصرة. والسؤال الذي تطرحه الدراسة، وتسعى للإجابة عنه، هو: كيف يمكن تطوير المؤسسات البرلمانية العربية في هذا الإطار العالمي الجديد.
كما أن هدف تطوير العمل البرلماني، هو تحسين الأداء المؤسسي للبرلمان، أي زيادة قدرات البرلمان لخدمة الأعضاء في أداء مهامهم، وخصوصاً من خلال خلق ثقافة مشتركة ومؤاتية بين الجهاز الفني والأعضاء، الأمر الذي يدعم عملية تفعيل دور البرلمان في المجتمع، وبالتالي يدعم النظام الديمقراطي.
وقد تعطل هذا الاهتمام بالتطوير المؤسسي للمجالس العربية بسبب احتدام الجدل بين الباحثين، بل والبرلمانيين أنفسهم، حول جدوى ودواعي التطوير واتجاهاته ومجالاته، حتى أصبح اليوم في أولوية أجندة الجدل السياسي لدى الرأي العام والباحثين، الأمر الذي يضيف في ذاته إلى موضوع التطوير ويؤكد بعده الاجتماعي الهام.
فالمتابع لإنتاج المؤسسات الإعلامية، وفي مقدمها الصحافة وكذلك التلفزيون، ربما يلحظ تغيراً في جدول أولوياتها باتجاه إعطاء مساحة أكبر لتغطية عمل البرلمان، وذلك بصرف النظر عن التوجهات والأحكام القيمية السائدة في تناولها لأعمال البرلمان. فلم يعد الأمر مقصوراً، مثلاً، على جريدة حزبية معارضة وجيدة تخصص صفحة واحدة، أسبوعياً، لتغطية أخبار نواب حزبها أو مرشحيه، وإنما هناك توسع كبير ومتابعة أكثر انتظاماً لأنشطة البرلمان، واهتمام متزايد بعرض وإتاحة الفرص للعديد من الاتجاهات في تقييم أداء البرلمان، والتطرق إلى مختلف الموضوعات المرتبطة بالحياة النيابية، مثل أداء الأعضاء، ونوعية التشريعات ونقد العملية التشريعية، ومواصلة الجدل حول طريقة تشكيل المجالس النيابية. ولهذا، فإن المعالجة الإعلامية المستمرة والنقدية لعملية التطوير البرلماني شرط أساسي لنجاح أية جهود في هذا الصدد، وضرورة لإضفاء البعد الاجتماعي والشرعي على أي محاولات تطوير جادة في المجالس العربية.
ومن المفارقات المثيرة للانتباه في مسألة تطوير العمل البرلماني في العالم العربي أنه أصبح متأخراً عن نجاح الإصلاحات في السلطة التنفيذية، وعن التحديث في السياسات العامة، وعن اتساع حريات التعبير ومساحة النقد في الشارع السياسي والإعلام، بل عن تحسن صورة الحكومة لدى الرأي العام في كثير من المجتمعات، وعن تزايد الدور السياسي للقضاء، الأمر الذي أبرز مدى تأخر حركة الإصلاح والتطوير - الواجبة - في هيكل وعمل المؤسسة البرلمانية.
وتعالج الدراسة قطاعات رئيسية في عملية تطوير العمل البرلماني، وهي: المستوى المؤسسي (وهو ينصرف إلى الهيكل التنظيمي للبرلمان، ووحداته الرئيسية)، والمستوى الفني (أي العاملون في الإدارات والوحدات الفنية المختلفة، أو الجهاز الفني المعاون في الأمانة العامة للبرلمان)، والمستوى السياسي (ويقصد به دعم عمل الأعضاء أنفسهم).
وتطرح الدراسة أفكاراً عملية للسير في التطوير المؤسسي للمجالس العربية، أهمها: تطوير قطاع البحوث والمعلومات، وتطوير نظام اللجان البرلمانية، والاهتمام بعملية التدريب البرلماني للعاملين في البرلمان، وكذلك أهمية احتكاك الأعضاء بالخبرات البرلمانية المختلفة في العالم المعاصر.
وقد اعتمدت الدراسة على الخبرة الذاتية للباحث، والمشاهدة الواقعية في عدد من البرلمانات، فضلاً عن خبرة العمل الاستشاري في برامج التطوير المؤسسي بالمجلس التشريعي الفلسطيني ومجلس الشعب والشورى في مصر، والاحتكاك بعدد من البرلمانيين والخبراء من دول العالم.
ومن أهم نتائج الدراسة:
- أن من أهم أسس فاعلية المؤسسة البرلمانية في البرلمانات المعاصرة نشر وقائع الجلسات البرلمانية، فيما عدا القضايا بالغة الخطورة والحساسية.
- أن فاعلية الدور التشريعي للبرلمان تتأثر بقدرة المواطنين على الإطلاع على المقترحات التشريعية المطروحة عليه، ولهذا، يلزم توفير تلك المقترحات للجمهور ووسائل الإعلام، وفي الوقت المناسب.
- الاهتمام بالمعلوماتية والدعم التقني وأتمتة العمل البرلماني (مثلاً: نظام التصويت الإلكتروني، نظام حديث لحفظ المستندات والوثائق وتسجيل المضابط، ونشرها، وتخصيص قناة للبث المباشر لتغطية أعمال البرلمان بمجلسيه…).
- الاتجاه العالمي نحو الأخذ بأساليب التصويت الإلكتروني في البرلمان.
- تطوير علاقات النائب بالدائرة الانتخابية من خلال توفير الإمكانات البشرية والمكانية والفنية الكافية للأعضاء لإدارة علاقاتهم بالناخبين/ المواطنين، وتأسيس مكاتب في دوائرهم الانتخابية، وكذلك الاهتمام بموضوع التمويل والقدرات المالية للعضو، لتغطية أنشطته المختلفة في الدائرة، وكذلك بالنسبة إلى مجال البحوث والدراسات، مع إتاحة هذا التمويل تحت تصرف العضو، مهما كانت تحفظات البعض على ذلك، حيث من غير المنطقي ألا يؤتمن العضو على إدارة تمويل محدود، مهما بلغ حجمه والتصرف به، وهو المؤتمن على وضع القواعد القانونية التي تحكم المجتمع بأسره.
- تعاون السلطة التنفيذية مع البرلمان في مجال مهم للغاية، وهو إتاحة المعلومات. فالجهاز التنفيذي هو المصدر الأساسي للمعلومات بالنسبة للأعضاء، وكلما استطاع العضو التعامل معه بسهولة ويسر كان أكثر قدرة على أداء مهامه التشريعية والرقابية، وكذلك، كان أكثر قدرة على "قضاء حاجات الناخبين".
- ضرورة الاهتمام المكثف بتنظيم زيارات خارجية للأعضاء إلى برلمانات العالم، والمنظمات الدولية المختلفة، وهو نوع من "التدريب" - أو بالأدق الزيارة التعليمية (Study Tours)- يجب أن تهتم به البرلمانات العربية، مع حسن الإعداد الفني له، وتزويد الأعضاء بالمعلومات اللازمة عن تلك البرلمانات ودولها. وكذلك، تبادل الخبرات مع البرلمانات المعاصرة، على مستوى الأعضاء، وكذلك الجهاز الفني المعاون.
- الاهتمام بعقد مؤتمرات إقليمية ودولية لمناقشة القضايا الفنية والإدارية في المؤسسات البرلمانية، وكذلك تنظيم المؤتمرات البرلمانية. فقد أصبحت المؤسسات البرلمانية الدولية (كالاتحاد البرلماني الدولي، والمنتدى البرلماني المتوسطي..) والإقليمية (كالاتحاد البرلماني العربي، والأفريقي، والإسلامي) منظمات دولية هامة، تشترك معظم الدول العربية في أغلبها. وتكتسب تلك المنظمات أهمية متزايدة في ضوء التحولات العالمية المعاصرة، وبالتالي يجب تأهيل المؤسسات البرلمانية العربية للعمل بفاعلية بها، ومن خلالها، لتطوير أعمالها وقدراتها المؤسسية، وبحيث لا يقتصر الاهتمام بها على إصدار بيانات في قضايا السياسة الخارجية والشؤون الإقليمية. وفي هذا الإطار، يجدر الحديث عن مسؤولية ودور جامعة الدول العربية في الحياة البرلمانية في العالم العربي، وضرورة التفكير في إنشاء قسم أو إدارة متخصصة لتعزيز الحياة البرلمانية العربية.
- دعم دور المرأة في البرلمان. وفي هذا الشأن يقترح أمران: أولهما، توسيع قاعدة تمثيل المرأة، وثانيهما، تنسيق أنشطة العضوات البرلمانيات، كأن يتم تكون جمعية أو مركز للعضوات البرلمانيات يكون هدفه الرئيسي تنشيط المرأة في الساحة البرلمانية.
- الأخذ بنظام الحقيبة الوزارية للشؤون البرلمانية، يحملها وزير من أعضاء الحكومة (وربما أعضاء البرلمان، وفقاً لطبيعة النظام السياسي). فوجود وزير للشؤون البرلمانية اصبح أمراً هاماً في عملية التطوير البرلماني، لأنه يربط فرعي السلطة، التنفيذي والتشريعي، ويمثلهما أمام بعضهما البعض، كما يقوم بتحقيق التواصل وتقليل التوتر/ الاغتراب بين أعضاء الجهازين، ويكرس أخلاقيات الرقابة والتوازن، ويساهم في مأسسة الدور السياسي والتشريعي والرقابي للبرلمان في صنع السياسات العامة.
- الانفتاح على مراكز البحوث وبيوت الخبرة ومؤسسات المجتمع المدني.
- ضرورة التفكير في إنشاء نواة بحثية برلمانية عربية (مثلاً: المعهد العربي للدراسات البرلمانية)، تكون بداية لتطوير بيوت خبرة عربية في العمل البرلماني.
- من ناحية أخرى، ففي حين توجد العديد من السلاسل والتقارير الإقليمية والعربية في المجالات الاقتصادية والأدبية والسياسية (حقوق الإنسان، والقضايا الاستراتيجية..)، لا يوجد تقرير عربي واحد في الحياة البرلمانية. وما لا شك فيه أن فكرة إعداد "التقرير البرلماني العربي" سوف تكون وسيلة هامة لتدعيم جهود تطوير العمل البرلماني العربي، وتبسيط الحياة البرلمانية أمام الرأي العام، وإنزال الدراسات والبحوث البرلمانية إلى المستوى الجماهيري.
- التوسع في أنشطة الإعلام البرلماني، من خلال البث الإعلامي، وتنظيم زيارات طلابية للبرلمان، وعمل نماذج محاكاة على غرار برلمان الشباب، والبرلمان الصغير وبرلمان الطلائع".
|