UNDP United Nations Development Programme برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
Programme on Governance in the Arab Region برنامج إدارة الحكم في الدول العربية POGAR
الملخـص
مقـدمـة: مفهوم التطوير المؤسسي للبرلمان
أولاً: ملاحظات على تجارب التطوير المؤسسي فى البرلمانات المعاصرة
   1. مجالات وأساليب التطوير المؤسسي للبرلمانات
   2. تطوير اللائحة الداخلية للبرلمان
   3. تطوير نظام اللجان البرلمانية
ثانياً: إشكاليـات عملية
   1. مقترحات عملية لتطوير عمل لجان الاستماع
   2. تطوير وحدات المعلومات والبحوث البرلمانية
   3. تطوير المكتبة البرلمانية
   4. تطوير التدريب البرلماني
   5. تطوير الإعلام البرلماني
الخاتمة: تحديات ومجالات هامة للتطوير المؤسسي
ملحق: جدول مقارن لعدد اللجان ونظام تشكيلها فى 20 دولة
الهوامش

تطوير عمل المجالس النيابية العربية
د. علي الصاوي

تطوير الإعلام البرلماني:

ليس من الجديد فى شئ الإشارة الى أننا نعيش عصر المعلوماتية، والتطور المتسارع لتقنيات المعلومات، فى تجميعها وتحليلها وترشيد صنع القرار فى ضوئها..، وليس من الجديد أيضا القول بأن الفجوة بين الأمم لم تعد فى ثرواتها التى تحت الأرض وإنما تلك التى فى عقول أبنائها..، وإنما المهم فى هذا السياق هو التنبيه الى ضرورة النظر الى المعلومات فى حياتنا ليس كمجموعة من الأجهزة (الحواسب الآلية مثلا) والتجهيزات (الاتصالات السلكية واللاسلكية بأنواعها) وإنما كمنظومة متناسقة، تنطلق من قناعة بدور العلم وتستهدف تحسين ظروف المجتمع وتمكينه من النهضة والتقدم.

بعبارة أخرى، فإن المعلوماتية، من وجهة النظر التحليلية، هى طريقة تفكير تعبر عن نقلة نوعية من الاعتماد على الحدس والتأثر بالأفضليات الذاتية والأحكام القيمية الى الأخذ فى الحسبان بحقائق الواقع والتعامل معها للحصول على أفضل الحلول الممكنة (زيادة العوائد وتقليل التكاليف) للمشكلات المثارة. من هنا ترتبط المعلومات بصنع واتخاذ القرار، فهى لا تدور فى فراغ، وإنما يتم استخدامها لغاية محددة. من ناحية أخرى، فإن المعلوماتية أسلوب عمل لا يقبل التجزئة أو الانتقائية غير المخططة، فلا يتصور مثلا أن تحشد الحواسب الآلية فى المؤسسات الإدارية ويتم رصّها فى أعداد مبهرة دون أن يؤدى ذلك الى تطوير أساليب العمل لتحسين الخدمة أو المنتج النهائى (ليكون العمل أكثر سرعة والأداء أكثر جودة..)، الأمر الذى يثير التساؤل حول الدور الفعلى لمراكز المعلومات التى تم إنشاؤها فى مختلف المؤسسات والهيئات.

ومن ناحية ثالثة، فإن للمعلوماتية دلالة حضارية كبيرة، إذ لا ترتبط فقط بأسلوب العمل وجودة الإنتاج وتحسين الأداء وإنما أصبحت وسيلة رئيسية لتدعيم قنوات التواصل بين الأفراد، وبين المجتمع والدولة، وبين المجتمع والعالم الخارجى (الذى لم يعد فى الحقيقة خارجيا). أى أن المعلوماتية قرين الشفافية ووسيلتها، فلم يعد من الممكن أن يظل التخطيط للتنمية حكرا على مجموعة من الموظفين أو نخبة السياسيين، أو يتم فى اتجاه واحد، من الحكومة الى المواطنين، حيث لم يعد مقبولا أيضا تنفيذ خطط التنمية دون قياس مردودها على المجتمع ومعرفة تأثيرها على الأفراد، كما لم يعد ممكنا انفراد الدولة بصياغة أجندة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتحديد أولوياتها وقضاياها وكيفية التعامل معها..، كل هذا لم يعد عمليا فى الألفية الثالثة.

وإذا كانت المعلوماتية ضرورية لأجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع فإنها حتمية للبرلمان، بحكم طبيعته الجماهيرية وأدواره النيابية ومهامه التشريعية والرقابية. وتطوير نظم الاتصالات والإعلام البرلمانى أصبح بمثابة البنية التحتية لتنمية المؤسسة البرلمانية من ناحية وإنعاش المناخ الديمقراطى من ناحية أخرى، حيث لا يعمل البرلمان فى فراغ وإنما يرتبط، تأثيرا وتأثرا، بالبيئة السياسية والثقافية المحيطة به.

من هنا، فإن تخصيص قناة للإعلام البرلمانى فى السياسة الإعلامية العربية يعتبر خطوة هامة نحو مأسسة هذا الإعلام، وبالتالى تدعيم ثقافة المجتمع الديمقراطى ومؤسساته. والتساؤل الذى يدور فى الذهن حول هذا البث الإعلامى البرلمانى يثير جملة من القضايا والتوقعات: هل يتضمن مجرد زيادة فى المساحة الزمنية لنقل الجلسات؟، وهل ستنقل على الهواء أم بعد تسجيلها وإخراجها بشكل يضمن إبراز موضوعات دون أخرى فى النقاش أو إلقاء الضوء عضو أكثر من غيره؟، وما هى أجندة ومحاور عمل هذه القناة المتخصصة، وهل سوف تقتصر على نقل الجلسات وتصريحات المسئولين والزيارات البرلمانية الرسمية، أم تعمل فى إطار منظومة متكاملة من "الإعلام البرلمانى" بما يشمله من عناصر توعية عامة بقواعد الممارسة البرلمانية الديمقراطية، فى مصر والعالم، وتحليل نقدى لأداء البرلمان، يخاطب المشاهدين والأعضاء على السواء؟، ومن الذى يدير هذا الإعلام، وهل هو البرلمان ذاته أم مجموعة من الإعلاميين المتخصصين، أم فريق مشترك منهم؟، وما هى وسائل التعرف على تقييم المشاهدين والأعضاء لأداء هذا الإعلام؟، وغيرها من التساؤلات.

وفيما يلى محاولة لبلورة إطار لتخصيص قناة للإعلام البرلمان فى الدول العربية.

أ - وظائف القناة البرلمانية:

تتعدد مصادر الإعلام البرلمانى، ما بين صحافة نشطة ومراكز بحثية متخصصة وتغطية إذاعية وتليفزيونية متزايدة. ومع ذلك، فإن مستوى الوعى البرلمانى لا يزال محدودا، سواء بقصد -يحمل نظرة نقدية للبرلمان ذاته- أو بدون قصد، بسبب نقص المعلومات والخبرة. ولهذا، فإن أولى مهام مثل هذه القناة البرلمانية هى العمل على توسيع مصادر المعلومات وتطوير المعرفة بالحياة البرلمانية. من هنا، يجب أن تعمل لتحقيق ثلاثة وظائف رئيسية، هى:

(1) تدوير البيانات ونشر المعلومات: القناة البرلمانية هى بمثابة وسيلة حديثة وسريعة تقوم بتدوير البيانات ونشر المعلومات البرلمانية. ومن الممكن أن تكون هذه الوسيلة التقنية العالية وسيطا اتصاليا داخليا فقط، فى إطار البرلمان، أو خارجيا وداخليا معا، من خلال ربطها بشبكات الاتصالات الداخلية بالبرلمان وغيرها من الشبكات الوطنية. وفى كل الأحوال، تتعلق هذه الوظيفة بالبيانات الهامة فى العمل البرلمانى. والبيانات المقصودة هنا هى الحقائق والاحصاءات والأرقام التى تتعلق بحجم الممارسة الرقابية أو المبادرات التشريعية للأعضاء، أو نتائج الانتخابات البرلمانية المحلية والعالمية، أو القرارات والتوصيات التى صدرت عن المحافل البرلمانية الإقليمية والدولية، أو حتى مواعيد جلسات البرلمان، ولجانه، فيما يشبه النشرة المرئية التى يتم تحديثها باستمرار.

والمقصود بالمعلومات هنا هو تلك المعارف والبيانات ذات الدلالة والتأثير المباشر المحتمل على سلوك الفرد. ويمكن أن تستخدم القناة للقيام بجانب من هذا الدور التثقيفى للمشاهدين والأعضاء على السواء، لاسيما فيما يتعلق بالممارسة النيابية والحياة الديمقراطية، مثل التعرف على أنشطة برلمانات أخرى فى العالم، وأعمال وتوصيات ودراسات الاتحاد البرلمانى الدولى الذى يلعب دورا حيويا فى تطوير المؤسسات النيابية فى العالم المعاصر، لاسيما فى مجال التحول الديمقراطى.

(2) تطوير السلوك النيابى للأعضاء: وما من شك فى أن الاتجاهات السلوكية للفرد بوجه عام تتأثر بعدة عوامل، من أهمها المعارف والمعلومات المتاحة له والتى يتعرض لها. وكلما كانت هذه المعارف والمعلومات متجانسة وهادفة ومرتبطة بإطار ثقافى ملائم للبيئة المجتمعية كلما كانت وسيلة لتنمية وتطوير السلوك الاجتماعى للفرد. ولاشك أيضا أن أعضاء المجالس النيابية يعبرون عن مختلف طوائف وشرائح المجتمع، كما أن هناك فوارق -طبيعية- بين خبرة الأعضاء بالحياة النيابية عموما والعمل التشريعى على وجه الخصوص، ليس فقط من زاوية أو درجة الإحاطة بالإطار الدستورى والقانونى للممارسة النيابية ولكن أيضا من حيث إدراك واستيعاب أصول التمثيل الشعبى والتفاعل مع مؤسسات الدولة فى النظام السياسى.

من هنا تأتى دواعى وأهمية التأثير الهادف فى السلوك النيابى لأعضاء المجالس النيابية. فهو تأثير يستهدف "التقريب" بين الثقافات المتفاوتة للأعضاء و"توجيه" التفاعلات النيابية الى هدف مشترك هو الصالح العام. ولعل أهم المجالات التى يمكن أن تساهم من خلالها القناة البرلمانية فى التأثير على السلوك النيابى للأعضاء هو التعريف بالإجراءات، أى إجراءات العمل البرلمانى بوجه عام، حيث أن فهم الإجراءات متطلب سابق على حسن استخدام وتطبيق القواعد. ومن أمثلة ذلك: التعريف بواجبات ومسئوليات وحقوق العضو، لاسيما فى الأمور الحيوية، مثل شروط استخدام وسائل الرقابة البرلمانية المتعددة (سؤال، بيان، اقتراح، استجواب، مناقشة..)، وشرح قواعد وإجراءات العملية التشريعية، مثل طلب الكلمة، تقديم مشروع قانون، إعادة المداولة، التصديق على المعاهدات والاتفاقات الدولية، طبيعة الالتزام الحزبى، شروط وإجراءات تأسيس الأحزاب السياسية، النظم الانتخابية، ودور القضاء فى الرقابة على القوانين.

(3) دعم القرار التشريعى: تعتمد المنظمات الحديثة على أجهزة متخصصة فى المعلومات ودعم اتخاذ القرار بها، سواء كانت مؤسسات سياسية أو اقتصادية أو غيرها، حيث أن صانع القرار فى أى من هذه المنظمات يتعرض وبشكل متكرر لنوعين من الأزمات المعلوماتية التى تؤثر على عملية صنع القرار، إما نقص المعلومات، أو غموضها وعدم دقتها، أو وفرتها الغامرة (Overload) الى الحد الذى لا يمكّن صانع القرار من تحليلها وبناء البدائل على ضوئها.

من هنا تزداد أهمية القناة البرلمانية كمصدر لدعم القرار، حيث تفتح النقاش وتتيح تبادل الآراء والخبرات حول المسائل المثارة أمام البرلمان قبل اتخاذ القرار، والإشارة إلى الاحتمالات الحاضرة والمستقبلية للبدائل المختلفة لما يتخذ من قرارات (مثلا: معرفة ردود الفعل المحتملة إزاء مشروع قانون على تجنب الكثير من مخاطره، والجدل حوله).

فكلما توافرت التحليلات والرؤى المختلفة أمام متخذ القرار استطاع -على الأقل نظريا- استشراف التبعات المتوقعة لهذا القرار أو التنبؤ بمسارات المستقبل. ولا يخرج القرار التشريعى عن هذه القاعدة، بل ربما يعتبر من أكثر المجالات التى يتضح فيها الدور الحيوى لأجهزة المعلومات المصممة لخدمة ودعم القرار. ومن دلائل ذلك تلك الحالات التى يضطر فيها البرلمان الى المفاضلة بين عدة بدائل فى ظروف تتسم بقلة أو حتى ندرة المعلومات سواء بسبب صعوبة جمع هذه المعلومات أو بسبب حداثة الموضوع محل المناقشة، كأن يكون موضوعا طارئا مثلا.

بعبارة أخرى، هناك إمكانية كامنة فى القناة البرلمانية لتوفير وإمداد الأعضاء بمعلومات تعين على التفكير فى والاختيار بين البدائل المطروحة بصدد الموضوعات الجارية محل النقاش، بما يدعم القرار التشريعى فى التحليل الأخير. من هنا، تصبح القناة البرلمانية ليس فقط وسيلة لإعلام المواطنين بمجريات الأمور فى البرلمان، ولكن أيضا وسيلة لدعم القرار البرلمانى ذاته. ولهذا، يجب أن تتسع المصادر التى تغذى القناة بالمعلومات والمعارف والرؤى حتى تضعها أمام البرلمان، على النحو التالى:

image here

فالهدف الاستراتيجى من تطوير القناة البرلمانية، إذن، هو: توفير فرصة إضافية لاستخدام المعلومات والتحليل العلمى فى عملية صنع القرار البرلمانى، من خلال تقنية حديثة قادرة على جذب مستخدمين جدد لها، وذات إمكانات كبيرة لعرض المعلومات على المستخدمين وتحديث بياناتها، بما يجعل من هذه التقنية الحديثة محطة لإلتقاء مصادر المعلومات المختلفة المتاحة فى البرلمان.

ب - محتوى القناة البرلمانية:

من المقترح أن تحتوى القناة البرلمانية على ثلاثة أنواع رئيسية من البيانات والمعلومات والتحليلات البرلمانية، هى:
(1) شؤون البرلمان، ومنها:

  • بيان جدول أعمال الجلسات العامة، وجلسات اللجان.
  • لقاءات هامة لرئيس البرلمان وقيادات الأحزاب والكتل البرلمانية.
  • أنشطة النواب ذات الطابع البرلمانى (مبادراتهم التشريعية، نشاطهم الرقابى..)
(2) قضايا سياسية ودستورية، مثل:
  • أنشطة البرلمان، التشريعية والرقابية والمالية.
  • السوابق البرلمانية.
  • التعاون بين مجلسي البرلمان.
  • العلاقات بين المؤسسة التشريعية والحكومة.
  • أهم القواعد الدستورية، وأحكام هامة للمحكمة الدستورية العليا، ومواد رئيسية فى اللائحة الداخلية للمجلس..
(3) معلومات وتحليلات، ويقصد بالمعلومات هنا:
  • الإحصاءات والأرقام، والتعبيرات الكمية ذات الدلالة والأهمية (مثل وضع الاقتصاد الوطنى، حالة الاستثمار، معدلات النمو السكانى..).
  • أهم الأحداث المحلية والعالمية (مثلا، المؤتمرات الهامة، الوضع فى الشرق الأوسط، الانتخابات النيابية فى العالم..).
  • تحليلات لموضوعات مثارة فى البرلمان.

ج - تقييم الأداء:

منذ البداية، يجب أن يكون واضحا أن القناة البرلمانية وسيلة إعلامية دينامية، تعمل وفق معطيات الواقع وأهداف المستقبل، ومن هنا فمن الضرورى تطويرها على نحو مستمر. ولكن التطوير لا يتم فى فراغ، أو يكون تعبيرا عن قناعة ورؤية ذاتية لبعض الأفراد، حتى إن كانوا القائمين عليها، بل يجب أن يأخذ فى الاعتبار تقييم متلقى هذه الخدمة (الجمهور والأعضاء) واحتياجاتهم، ومن ثم لابد أن يشتمل على أدوات مناسبة لتقييم الأداء، حتى يمكن تطوير القناة على أسس موضوعية وبناءا على قياس علمى دقيق لأدائها.

وهناك وسيلتان متكاملتان لتقييم الأداء، لاينبغى الاستغناء بإحداهما عن الأخرى. الأولى ذات طابع فنى، وتتم فى نطاق محدود، ربما فى صورة اجتماعات للأطراف المعنية (من الإعلاميين، والبرلمانيين والخبراء والفنيين)، على هيئة لجنة توجيه (Steering Committee) تلتقى على نحو دورى، لمتابعة العمل فى القناة، والوسيلة الثانية تتمثل فى الاحتكاك والتواصل المباشر مع متلقى الخدمة، سواء فى صورة استطلاعات للرأى أو البرامج المفتوحة لمشاركة الجمهور، ثم تحليل تقييم الجمهور للخدمة، وطرح التوصيات المناسبة للاستجابة لها، حتى تصبح هذه القناة وسيلة داعمة للشفافية والتطور البرلمانى والتحول الديمقراطى فى العالم العربى.

أعلى الصفحة الحالية