|
تطوير عمل المجالس النيابية العربية
د. علي الصاوي
تطوير اللائحة الداخلية للبرلمان:
توجد قواعد داخلية لتنظيم العمل فى البرلمان، كمؤسسة نيابية، وهى أيضا مجموعة من القواعد الحاكمة لقيام الأعضاء بممارسة مهامهم البرلمانية، الرقابية والتشريعية. وشأنها شأن أية أطر قانونية، يجب النظر الى اللائحة الداخلية من الزاويتين القانونية/الشكلية، والسياسية/الواقعية معا.
فمن الناحية الشكلية، تتمثل اللائحة فى مجموعة من القواعد التى تتعلق بهيكل عمل المجلس، وأجهزته الرئيسية، وكذلك رصد حقوق وواجبات الأعضاء، وترسيم كيفية ممارسة المهام البرلمانية المختلفة. من هذه الزاوية، تصبح أحكام اللائحة بمثابة شروط وقواعد إجرائية يجب مراعاتها فى العمل البرلمانى. أما من الزاوية السياسية، فإن اللائحة تعتبر منظومة من الأفكار والأعراف والمبادئ البرلمانية، التى تستهدف تيسير العمل البرلمانى، وتحقيق درجة أكبر من الديمقراطية داخل المجلس، والشفافية مع المجتمع، والتمكين للأعضاء للقيام بعبء الوكالة عن المواطنين. ولهذا، يجب قراءة اللائحة فى مجموعها، والتأمل فى المبادئ التى ترتكن إليها، وكذلك جوانب التطوير المقترحة فيها.
وتجسد اللائحة الداخلية أهمية كبرى لعمل البرلمان. وهنا، يمكن طرح ما يلى:
أ - أن التنظيم اللائحى للمناقشات يجب ألا يتعارض مطلقا مع حرية التعبير عن الرأى والفكر لكافة الأعضاء، أو مع تنوع الاتجاهات أو الانتماءات السياسية أو الحزبية داخل البرلمان. وفى هذا الشأن فإن الاختلافات الحزبية أو الانتماءات السياسية لا تنتقص من الحق الطبيعى فى أن يكون للجميع وعلى قدر المساواة حق المشاركة فى اللجان النوعية والخاصة داخل المجلس، وحق الاشتراك فى قيادة البرلمان، ولجانه.
ب -أن التنظيم اللائحى يجب أن يضمن تحقيق التعاون بين البرلمان والمؤسسات السياسية والدستورية الأخرى.
ج -أن التنظيم اللائحى للمناقشات وإصدار القرارات البرلمانية ما هو إلا جزء من منظومة متكاملة تأتى فيها اللائحة فى مرتبة قانونية ثالثة، بعد أحكام الدستور والقانون، ومن ثمّ فإن من حق العضو أن يحتج بأحكام الدستور والقانون إذا وجد أن اللائحة لا تتيح له حرية النقاش.4
د - أن النظرة الجامدة الى اللائحة باعتبارها المرجعية الأساسية فى تنظيم عمل البرلمان، أى الإطار الملزم للكافة فيما يتعلق بنظام العمل بالمجلس وممارسته لاختصاصاته التشريعية والرقابية والمالية، لا يجب أن تحول دون مناقشة تطويرها، على نحو مستمر. وفى هذا الشأن، فمن المقترح مناقشة إمكانية أن يشكل البرلمان لجنة خاصة منتخبة، وليست معينة، يطلق عليها "لجنة المسائل اللائحية" (Procedural Commission)، على أن تختص هذه اللجنة بالآتى تحديدا: النظر فى تعديل اللائحة فى بداية لدور تشريعى حتى تتسق اللائحة مع تطورات وظروف المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية، فمثل هذه التطورات لابد أن يتطور معها عمل البرلمان، وأن تبحث فى الشكاوى التى يقدمها الأعضاء بشأن التزام رئاسة المجلس بأحكام اللائحة سواء فى المناقشات أو إصدار القرارات البرلمانية، وأن ترفع اللجنة تقريرها عن هذه الشكاوى الى رئيس المجلس ليعرضه على المجلس. وفى الجلسة المحددة لمناقشة وبحث الشكاوى البرلمانية يتخلى رئيس المجلس عن رئاسة الجلسة ليتولاها أحد وكلائه أو أكبر الأعضاء سنا، لأنه لا يصح أن يكون رئيس المجلس خصما وحكما فى ذات الوقت.
هـ - أن تنظيم ووضع اللائحة يجب ألا يكون معقدا الى درجة يصبح فهمهما والتعامل معها أمرا يصعب على الكثيرين من المتخصصين وأهل الخبرة القانونية أنفسهم، وهو أمر يتناقض مع الوظيفة المفترضة للائحة ودورها فى "التيسير على العضو وتمكينه من ممارسة مهامه"، فلا يصبح أمامه سوى أحد طريقين: إما الاكتفاء بالحد الأدنى من دراسة واستيعاب اللائحة للوفاء بالمتطلبات الشكلية للعضوية (مثل نظام الحضور، وطريقة التصويت..)، أو بذل جهد كبير فى التكيف مع التعقيدات اللائحية، مستخدما فى ذلك قدرات خاصة (مهنية أو ذاتية او حزبية)، وهى مسألة لا تتوافر للكافة، أو معتمدا على الأمانة العامة للبرلمان، الأمر الذى يزيد من الاعتماد على الفنيين، وربما يحوّل العضو الى ممثل للأدوار وليس فاعلا مستقلا.
و - أن ميل اللوائح البرلمانية العربية الى معاملة رئيس البرلمان باعتباره قيّما على أداء وسلوك الأعضاء أمر يتجافى مع الطبيعة المساواتية لأعضاء البرلمان، فرئيس البرلمان هو الأول بين متساوين، ودوره تنظيمى فى المقام الأول.
|