UNDP United Nations Development Programme برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
Programme on Governance in the Arab Region برنامج إدارة الحكم في الدول العربية POGAR
الملخـص
مقـدمـة: مفهوم التطوير المؤسسي للبرلمان
أولاً: ملاحظات على تجارب التطوير المؤسسي فى البرلمانات المعاصرة
   1. مجالات وأساليب التطوير المؤسسي للبرلمانات
   2. تطوير اللائحة الداخلية للبرلمان
   3. تطوير نظام اللجان البرلمانية
ثانياً: إشكاليـات عملية
   1. مقترحات عملية لتطوير عمل لجان الاستماع
   2. تطوير وحدات المعلومات والبحوث البرلمانية
   3. تطوير المكتبة البرلمانية
   4. تطوير التدريب البرلماني
   5. تطوير الإعلام البرلماني
الخاتمة: تحديات ومجالات هامة للتطوير المؤسسي
ملحق: جدول مقارن لعدد اللجان ونظام تشكيلها فى 20 دولة
الهوامش

تطوير عمل المجالس النيابية العربية
د. علي الصاوي

تطوير نظام اللجان البرلمانية:

تقوم اللجان البرلمانية بإنجاز العديد من الوظائف، وتمد البرلمان بالطاقة لزيادة فعاليته وخبراته. وتسمح اللجان للنواب بفحص مشروعات القوانين والإشراف على البرامج الحكومية. وتتيح الفرصة للعامة للمشاركة فى العملية التشريعية. ومع تباين اختلاف عدد ونوع وحجم ووظيفة اللجان من مجلس تشريعى لآخر، إلا أن أهميتها تتزايد كعنصر تنظيمى فى فعالية المجالس التشريعية. وتمكن اللجان البرلمانية الأعضاء -خاصة فى الديمقراطيات الصاعدة الجديدة- من الاشتراك بفاعلية فى العمل البرلمانى.

وتعتمد كل البرلمانات المعاصرة على اللجان فى قيادة وتسيير أعمالها. وتتكون اللجان من مجموعات صغيرة من الأعضاء يتم اختيارهم إما على أساس مؤقت أو دائم، لفحص ودراسة عدد من القضايا والموضوعات بشكل أفضل مما لو تم دراستها على مستوى البرلمان كله. وفى الكونجرس الأمريكى، مثلا، يقال أنه "عبارة عن مجموعة من اللجان التى تجتمع فى قاعة، بصورة دورية للموافقة على إجراءات بعضها البعض".

أ- أنواع اللجان:

يمكن تصنيف اللجان، عموما، الى فئتين: لجان عامة ولجان خاصة. وتقوم أغلب اللجان العامة بمراجعة واقتراح القوانين، وقد تقوم بتشكيل لجان فرعية لبحث أمور وقضايا معينة. أما اللجان وينتهى وجود اللجنة عندما تؤدى الدور الذى شكلت من أجله، وعادة ما تقدم تقريرا إلى أعضاء المجلس أو الرأى العام يحوى خلاصة آرائها وتوصياتها فى الموضوع أو القضية التى قامت بدراساتها. بالإضافة الى ذلك، هناك لجان مشتركة دائمة أو مؤقتة، تضم أعضاء البرلمان الذى يتكون من مجلسين، وتشكل لمراجعة أمور ذات اهتمام مشترك وعام بينهما، بهدف القضاء على الخلافات أو تقريب وجهات النظر على مشروعات القوانين التى يلزم لإقرارها توافق المجلسين عليها (انظر بالملحق: جدول مقارن لعدد اللجان فى 20 برلمان معاصر فى 20 دولة هى، الأرجنتين، بلغاريا، كندا، كوستاريكا، السلفادور، فرنسا، ألمانيا، المجر، الهند، أيرلندا، اليابان، الأردن، ناميبيا، البرتغال، رومانيا، روسيا، السنغال، تايلاند، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة.).

وتتنوع البرلمانات فى قوة وصلاحيات وعدد اللجان بها. فعلى سبيل المثال، فى الجمعية الوطنية الفرنسية تتمتع اللجان بسلطات محدودة فى صنع القرار -فليس لها تصحيح التشريع المقترح من قبل الحكومة بل لها فقط إجراء بعض التعديلات الفنية على التشريعات الحكومية- ولا تستطيع فحص المقترحات الحكومية بالعناية الكافية، إلا أن عددها قد انخفض من 20 لجنة قبل دستور الجمهورية الخامسة إلى 6 لجان فقط حاليا. وعلى عكس اللجان فى كل من فرنسا وبريطانيا تتمتع اللجان فى ألمانيا بسلطات مشابهة لمثيلتها فى الكونجرس الأمريكى، وتعد اللجان بمثابة المطبخ الحقيقى الذى لاغنى عنه فى البوندستاج الألمانى. وفى الكونجرس الأمريكى، يعتمد العمل التشريعى على اللجان الدائمة واللجان الفرعية الصغرى، لدرجة أنها توصف بأنها "مجالس تشريعية مصغرة"، حيث يمكن توزيع القدر الهائل من التشريعات فى إطار تقسيم فعال للعمل، يزيد على آلاف التشريعات خلال الدورة التشريعية الواحدة ومدتها سنتان، يتم النظر فيها كل على حدة بواسطة كل من مجلسى النواب والشيوخ بكامل هيئتهما، وبدون هذه اللجان لكان الإنجاز التشريعى لهذا الكم الهائل مستحيلا.

ب - عدد اللجان:

وفى دراسة مقارنة للعلاقة بين عدد أعضاء البرلمان وعدد اللجان الدائمة به، وذلك فى إحدى عشر مجلسا تشريعيا، تبين أن عدد أعضاء البرلمان يتراوح ما بين 120-662 عضوا، وأن عدد اللجان يتراوح ما بين 6 إلى 38 لجنة. وأكدت بعض الدراسات على أن حجم وعدد أعضاء اللجنة يرتبط إلى حد بعيد بفعاليتها وتأثيرها على العمل التشريعى، وأن الحد الأمثل لعدد أعضاء اللجنة- لضمان فعاليتها وأدائها لأعمالها يتراوح ما بين 13-25 عضوا. وفى بعض المجالس كالكونجرس الأمريكى على سبيل يمكن الاستعانة بالمتخصصين والخبراء فى بعض اللجان، ويمكن أن تشكل أيضا إحدى اللجان عددا من اللجان الفرعية التابعة لها (ففى عام 1993 شكل مجلس النواب 22 لجنة دائمة و118 لجنة فرعية، وباستطاعة كل من المجلسين تشكيل لجان خاصة أو مختارة لمناقشة مسائل معينة. ونتيجة لزيادة أعمال اللجان، شكلت اللجان الدائمة حوالى 300 لجنة فرعية لمعاونتها).

ج - اجتماعات اللجان:

تتباين ديمومة واستمرار اجتماعات اللجان وتوقيتها من برلمان الى آخر. ففى بعض الحالات يمكن أن تجتمع اللجان فى غير أيام أو أوقات الجلسات العامة للبرلمان، وفى دول أخرى، تجتمع اللجان سواء أكان ذلك فى دور الانعقاد التشريعى أم لا، وهذا هو المبدأ السائد فى مجلس اللوردات البريطانى، ومجلس العموم الكندى، ومجلس الشيوخ الفرنسى، ومجلس الشيوخ الأيرلندى، والجمعية الوطنية فى نامبيا، والجمعية الوطنية البرتغالية، ومجلس الشيوخ الرومانى، ومجلس النواب والشيوخ فى الولايات المتحدة، ومجلسى الشعب والشورى فى مصر، والمجلس التشريعى الفلسطينى.

ويتم اتخاذ القرارات فى اللجان بالأغلبية العادية لأصوات الحاضرين عموما، طالما توافر النصاب القانونى للاجتماع. ويتم أخذ الأصوات عادة برفع الأيدى. وتسمح بعض اللجان بالتفويض فى التصويت حيث يفوض بعض الأعضاء الغائبين زملائهم فى اللجنة بالتصويت بالنيابة عن أو عنها. وفى عام 1995 كان من أحد التغيرات التى طرأت على مجلس النواب الأمريكى هو إلغاء خيار التفويض فى التصويت فى لجان مجلس النواب.

والسؤال المطروح هنا يتعلق بما إذا كان من الممكن أن يحضر الجمهور والعامة اجتماعات اللجان أم لا؟ فى أغلب الأحيان يحكم ذلك أما دستور البلاد أو إجراءات وقواعد السلطة التشريعية نفسها. فبعض الدساتير تنص على حضور العامة لاجتماعات اللجان، مما يعطى للمواطنين والصحافة حق الحضور. وفى دول أخرى خلا الدستور من النص على ذلك، لكن عادة ما تسمح إجراءات وتقاليد المجلس البرلمانية أو اللجنة بفتح الأبواب لحضور العامة. وتضم المجالس التشريعية التى تسمح للعامة بحضور اجتماعات اللجان بها كل من الأرجنتين، كوستاريكا، المجر، والولايات المتحدة. وفى بعض المجالس التشريعية الأخرى تعقد اللجان جلسات مغلقة لا يجوز للعامة حضورها عند حالة الضرورة والتى تشمل على سبيل المثال لحماية السرية، أو الأمن القومى، وتشمل هذه المجالس كل من ألمانيا، الهند، نامبيا، السنغال.

وتتيح اجتماعات اللجان المفتوحة للعامة متابعة المناقشات الدائرة فى اللجان عن قرب والتى تهم العامة متابعتها، ويتعلم منها الجمهور أيضا كيفية تصويت أعضاء اللجان على التشريعات، وما يقولونه أثناء المناقشات. على الجانب الآخر، فإن حضور العامة لاجتماعات اللجان له بعض المخاطر التى تؤثر على عمل اللجان، منها إن حضور العامة قد يمنع أعضاء اللجان من التعبير عن آرائهم وتصوراتهم بحرية تامة أو يمنعهم من الوصول إلى حلول وسط أو توافق بينهم بمثل السهولة التى يصلون إليها فى الاجتماعات المغلقة.

ووفقا لدراسة مسحية تمت فى عام 1986 على 82 مجلس تشريعى، اتضح أن 49 منهم دائما أو غالبا ما يعقدون جلسات خاصة للجان، و12 منهم يعقدون جلسات خاصة وعامة للجان، و21 منهم دائما أو غالبا ما يعقدون جلسات عامة لجان. ويسمح عدد من اللجان للعامة بالإطلاع على السجلات أو بكتابة ملخص لاجتماعات اللجان أو للجان الاستماع، وعادة ما يتم نشر هذه السجلات بدون أية مشكلات.

د - العضوية والقيادة فى اللجان:

تعكس تركيبة العضوية فى اللجان الدائمة القوة المختلفة للأحزاب الممثلة فى المجلس التشريعى ككل. فعلى سبيل المثال، يحكم مبدأ التوازن والتمثيل الحزبى عملية توزيع العضوية فى اللجان فى البوندستاج الألمانى، حيث يسيطر حزب الأغلبية على جميع لجان البوستاج، ولا يختلف الحال كثيرا فى مجالس كل من بلغاريا، كندا، فرنسا، المجر، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة حيث تحكم المساندة الانتخابية للأحزاب التعيين فى اللجان. وفى فرنسا لا يجوز للأحزاب الصغيرة أن تمثل فى اللجان، فلكى يتم تمثيل أى حزب من الأحزاب فى اللجان يجب أن يستحوذ على 20 مقعدا على الأقل من مقاعد الجمعية الوطنية. على عكس ذلك يجرى العمل فى المجلس التشريعى بالبرتغال على أن يمثل الأحزاب الصغيرة عضو فقط فى لجنة واحدة فقط من بين كل ثلاث لجان. وفى السلفادور تأخذ الأحزاب الصغيرة مقعدا واحدا فى كل لجنة من لجان المجلس التشريعى لديها، وإذا كان لهذه الأحزاب عضو واحد فقط فى المجلس، فهذا العضو نفسه يمثلها فى كل اللجان الموجودة بالمجلس.

وتختلف المجالس التشريعية فى توزيع رئاسة اللجان بين الأحزاب الممثلة فى المجلس التشريعى. ففى الكونجرس الأمريكى يتولى حزب الأغلبية رئاسة جميع اللجان التابعة للكونجرس.أما فى البوندستاج الألمانى فيتم توزيع رئاسة اللجان على حسب عدد المقاعد التى يحوزها كل حزب. أما فى البرلمان البريطانى يتولى حزب الأغلبية رئاسة جميع اللجان الموجودة عدا لجنة الحسابات العامة.

وعلاوة على ذلك، فإن الأعضاء يصبحون "متخصصين" عن طريق الخدمة فى لجنة معينة ويكتسبون الخبرة فيها. وكذلك، يميل النواب الى الانضمام إلى اللجنة الملائمة لاهتماماتهم وخبراتهم، أو ذات الأهمية بالنسبة لدوائرهم الانتخابية.

هـ - العاملون فى اللجان:

تتباين إجراءات تعيين عمل وكوادر اللجان من برلمان الى آخر. ففى بعض المجالس توجد كوادر كبيرة ومحترفة لديها فى اللجان والبعض الآخر لا يوجد لديها مثل هذه الكوادر المحترفة فى لجانها. وتعكس كمية وجودة هذه الكوادر أهمية اللجان التى توجد بها للمنظومة التشريعية. فعندما تحتل اللجان أهمية محورية- كما هو الحال فى الكونجرس الأمريكى- تزايدت الحاجة إلى محترفين مزودين بخبرات متميزة وصلاحيات أكبر لهم، وكلما كانت هذه اللجان غير حيوية أو أقل أهمية كلما احتاج الأمر إلى مجرد مجموعة صغيرة من الموظفين المخولين بصلاحيات إدارية وفنية فقط. وفى كندا، فإن حجم العاملين باللجان محدود، وينحصر عملهم فى استدعاء الشهود، وترتيب الاجتماعات، وتجهيز الدعاوى. كما أشارت إحدى الدراسات التى تمت فى عام 1993 على المؤسسات التشريعية فى دول الأرجنتين، بوليفيا، البرازيل، شيلى، وهندوراس أنها تفتقد إلى وجود كوادر مدربة فى لجانها، ففى أغلب اللجان لا يوجد سوى فرد واحد فقط محترف تعينه الأمانة العامة أو السكرتير العام.

وعادة ما يتم الاستعانة بكوادر من الأجهزة التنفيذية لأداء أعمال معينة فى لجان المجلس مما يؤثر بالقطع على موضوعية وحيادية أداء أعمالهم، وأحيانا تسمح بعض المجالس التشريعية للجانها بالاستعانة بعدد من الخبراء والمتخصصين لبحث موضوع أو قضية ما.

و- التنسيق بين اللجان:

من المتوقع أن يؤدى تنوع اللجان وكبر حجمها وأهمية اختصاصاتها الى نوع من التنافس، و التصارع، أو الاختلاف. وإحدى طرق تنسيق عمل اللجان هو تقسيم العمل المعقد إلى مجموعة من الأجزاء تختص بها لجان محددة، مثلما يحدث فى الكونجرس الأمريكى، أو تشكيل لجنة فرعية فيما بين اللجان المتعددة، كما فى البرلمان البولندى. وهناك حل ثالث، يتمثل فى السماح للجان المتعددة بتقديم تقرير بتوصياتها للجنة رئيسية، كما فى البرلمان السويدى.

ز- نموذج آلية لجان الاستماع:

تتمثل أهمية اللجان البرلمانية فى أنها تمثل ما يطلق عليه "المطبخ السياسى" Policy Kitchen، ذلك أن الأصل العام فى الأمور هو أن البرلمان لا يتناول موضوعا بالبحث والمناقشة إلا بعد إحالته الى أحد أو بعض لجانه فيما نسميه لجانا مشتركة، لتقوم بالبحث فيه والانتهاء إلى رأى تعرضه على البرلمان لتتم مناقشة الموضوع المحال إليها فى ضوئه.

وعموما، فإن اللجان البرلمانية نوعان، الأول هو اللجان النوعية أو الدائمة Standing Committees سواء تناولت الموضوعات المحالة إليها منفردة أو بالاشتراك مع غيرها من اللجان، أو تكون لجانا خاصة Special أو مؤقتة Ad hoc، ينشئها البرلمان لأغراض معينة أى لبحث أمر معين، وتنتهى هذه اللجنة بانتهاء الغرض منها أو بصدور قرار من البرلمان بإلغائها أو بالاكتفاء بما أدته من أعمال.

من هنا، تعتبر لجان الاستماع لجانا خاصة، لأنها تنشأ لغرض خاص أو مؤقت بطبيعته، وتنفض بانتهاء أعمالها فيه. بعبارة أخرى، فإن لجان الاستماع هى لجان خاصة يشكلها البرلمان من أجل الاستماع الى أطراف متعددة ولآراء مختلفة يدلى بها أصحابها أمام اللجنة، فى الموضوع المعروض عليها، والذى يشترط أن يكون داخلا فى اختصاص البرلمان ذاته.

بالإضافة الى ذلك، فإن القاعدة المستقرة فى الفقه البرلمانى أن الأصل يحتوى الفروع، وبالتالى فاللجان الدائمة تستطيع ممارسة مهام أو القيام بوظائف اللجان المؤقتة، فى حين أن العكس ليس صحيحا. بعبارة أخرى، فاللجان الدائمة يمكن أن تؤدى وظيفة لجان الاستماع، فى حين أن الأخيرة لا تتحول الى لجان دائمة أو تمارس مهام اللجان الدائمة.

يمكن رصد الخصائص التالية للجان الاستماع كآلية رقابية:

  • أن الرقابة تنصرف هنا الى أعمال السلطة التنفيذية، ولا تمتد الى عمل السلطة القضائية.
  • أنها آلية رقابية هامة يمارسها البرلمان فى مواجهة السلطة التنفيذية وأجهزة الدولة.
  • أنها أكثر الوسائل الرقابية تطبيقا لفكرة العمل الجماعى بين أعضاء البرلمان فى ممارسة المهام الرقابية، ولهذا فهى تتميز بتلك الخاصية "الديمقراطية".
  • أنها تمارس مهامها بأسلوب عملى وفى إطار ميدانى، سواء تم ذلك داخل أبنية البرلمان أو خارجه. وبهذا، تنفرد آلية الاستماع بهذه الخاصية الهامة فى مواجهة الوسائل الرقابية الأخرى كالسؤال والمناقشة.
  • أنها علنية الطابع فى أعمالها. فبينما نجد الأصل فى عمل اللجان البرلمانية هو السرية، ما لم يقرر البرلمان غير ذلك، فإن الأصل فى اجتماعات لجان الاستماع هو العلنية -ما لم يتقرر خلاف ذلك- لأنها بطبيعتها علنية، تغطيها جميع وسائل النشر والإعلام، وتعلن عن مواعيد اجتماعاتها.

ح - الدور الرقابى لآلية الاستماع:

تحتل الوسائل الرقابية مكانة خاصة فى العمل البرلمانى، نظرا لما تمثله من تعبير عن فكرة الرقابة الشعبية على الحكومات. ولكن المتابع لأدبيات الحياة البرلمانية فى العالم العربى يلاحظ أمرين:
أولهما، أن الاهتمام بالوسائل الرقابية ينصب فى المقام الأول على الوسائل المباشرة، وأبرزها الاستجواب، لما يتضمنه من اتهام موجه الى السلطة التنفيذية، وإمكانية طرح الثقة فى الوزراء، ولو حتى نظريا. ويؤكد ذلك أن الحكومة ذاتها تهتم أكثر ما تهتم فى علاقتها بالبرلمان بالاستجوابات، ويستعد لها كل من الوزراء المعنيين والأعضاء مقدمى الاستجواب استعداد النزال فى المعركة، كما أن الرأى العام -ممثلا فى المراسلين البرلمانيين والصحافة بوجه عام والمعارضة على وجه الخصوص- قد يتابع بشغف مجريات الاستجواب، وربما يشرع فى التكهنات حول حقيقة الاستجواب وقدرة الوزير المعنى بالرد عليه، برغم عدم الشطط فى الظن بأن الاستجواب قد يسفر عن شئ سوى "الانتقال الى جدول الأعمال"، وهى الصياغة المهذبة للتعبير عن رفض الاستجواب وتجديد الثقة فى الوزير المعنى والحكومة ككل. بعبارة أخرى، فإن مردّ الاهتمام الكبير بآلية الاستجواب له طابع درامى أكثر من كونه آلية سياسية فعلية، وذلك على الرغم من وجود حالات بارزة كان النزال فيها بين الأعضاء والوزراء نوعا من المعركة الحقيقية، ولو لم تكن المتكافئة.
والأمر الثانى، أن آلية الاستماع لا تحظى بنصيب عادل على الإطلاق من الاهتمام البرلمانى أو الإعلامى، برغم أهميتها البرلمانية، بل ومميزاتها كوسيلة ذات طابع جماعى وديمقراطى فى الرقابة على الحكومة.

هناك ثلاثة صور رئيسية للقيام بآلية الاستماع، هى: عن طريق اللجان النوعية الدائمة، ومن خلال لجان الزيارات الميدانية وتقصى الحقائق، وعن طريق لجنة خاصة للاستماع، يتم تشكيلها خصيصا لهذا الغرض، ويكون هدف البرلمان منها هو القيام بالبحث الدقيق واستعراض مختلف وجهات النظر المتعلقة بالموضوع المثار.

وتتميز لجان الاستماع، كما سبق ذكره، بأنها أهم الآليات المفتوحة للرقابة البرلمانية. ويعنى ذلك تنوع خلفية المشاركين فى أعمالها، سواء بالإدلاء بالرأى أو بالإحاطة بأعمالها. من هنا، نجد أن هناك ثلاثة أنواع من المشاركين فى فعاليات تلك اللجان، وهم: الأعضاء، سواء أعضاء اللجنة، أو أعضاء البرلمان ككل (وهؤلاء لهم كامل الحق فى حضور أعمال اللجنة والمشاركة فى إعداد جدول أعمالها ومناقشاتها)، والمتخصصون (سواء من أجهزة الدولة المعنية، أو من غيرهم)، وهم الذين تتم دعوتهم لكى تستمع اللجنة الى آرائهم بشأن الموضوعات المثارة فى جدول أعمالها، والمواطنون، سواء الذين يتابعون أعمال اللجنة كإعلاميين أو كمواطنين معنيين بالموضوع.

والأصل فى فعاليات لجنة الاستماع هو المناقشات، وذلك تطبيقا للقاعدة العامة فى العمل البرلمانى التى تعتبر البرلمان ككل بمثابة "مكلمة"، أو بالأدق مؤسسة للمناقشات والمداولات الشفهية Deliberations، حتى لا يتحول العمل البرلمانى الى جهة إدارية تعمل وفقا لمذكرات مكتوبة مسبقا، ربما يكون من أعدّها من غير النواب أصلا.

لا شك أن تزويد اللجان بكافة الوسائل الفنية اللازمة لقيامها بوظيفتها التشريعية والرقابية يؤدى الى إثراء أعمالها ويمكنها من ممارسة اختصاصاتها على أكمل وجه. ولذلك تحرص المجالس النيابية على معاونة اللجان فى أدائها لمهمتها عن طريق تزويدها بكافة الوثائق والبيانات والمعلومات والدراسات والأبحاث التى تضمن نجاحها فى دراسة ومناقشة كافة جوانب الموضوعات التى انعقدت لبحثها وتساعدها على إعداد التقارير التى تقدمها للمجلس.

كما يجب تزويد اللجان بالموظفين والباحثين المتخصصين من أجل تمكينها من ممارسة وظائفها التشريعية والرقابية على أكمل وجه.. ويمكن الاقتداء بالبرلمان الفرنسى فى هذا الخصوص، حيث قامت الجمعية الوطنية الجمعية الوطنية الفرنسية فى عام 1983 بإنشاء إدارة تابعة لها، مهمتها قياس الخيارات والمقترحات العلمية والتكنولوجية وإعداد تقارير بشأنها لعرضها على أعضاء البرلمان لمساعداتهم فى اتخاذ قراراتهم". ويتحدد عدد أعضاء لجنة الاستماع وفقا لمهمة وتكليف اللجنة، وحسب طبيعة تلك اللجنة ذاتها، من حيث كونها اللجنة النوعية فى ثوب لجنة للاستطلاع والمواجهة أو أنها لجنة خاصة مشكّلة لهذا الغرض.

وفى الحقيقة، ليس هناك أية موانع فى اللائحة أو الإمكانيات المادية والبشرية للبرلمانات العربية تحول دون تعظيم استخدام تلك الآلية الهامة، ومع ذلك، يلاحظ أنها غير موظفة بالقدر الكافى ولا تحتل أهميتها المناسبة فى العمل البرلمانى (الرقابى) كما هو الحال، مثلا، فى لجان الاستماع بالكونجرس الأمريكى، أو البرلمان التشيكى، أو المجلس التشريعى الفلسطينى. وربما يعود الأمر الى أسباب سياسية أو عملية، نجملها فيما يلى: أولا، أسباب سياسية/ثقافية، وهى ما يتعلق بحساسية مسألة الاستماع، والانكشاف الشديد الذى قد تؤدى إليه آلية الاستماع، عندما يتم تفعيلها الى مداها الطبيعى والمتصور، من حيث تنوع واختلاف الآراء التى يمكن أن تحتويها والتعامل مع المعارضين والرافضين بكل تنويعاتهم المحتملة وأوجه وحجج النقد التى يمكن أن يطرحوها أمام البرلمان، لاسيما فى الموضوعات المثيرة للجدل، وعلى وجه أخص فى اللحظات التى يتصور البعض أن "المصلحة العامة" تقتضى تأجيل إبراز الاختلافات والتوحد وراء السياسة الحالية.

وتزداد هذه الحساسية حدة عندما يتسع نطاق التغطية الإعلامية لمجريات آلية الاستماع، سواء من حيث أطرافها وخلفياتهم السياسية والحزبية والأيديولوجية، أو من حيث المواقف والآراء والحجج التى يبدونها، والتى قد "تثير البلبلة"، كما قد يتراءى للبعض. كما تزداد هذه الحساسية السياسية أكثر وأكثر عندما تجمع لجان الاستماع عند استماعها للآراء المتنوعة بين المسئولين الحكوميين وغيرهم من الخبراء والمتخصصين من خارج الأجهزة الحاكمة، حيث يُنظر الى من حصل على الدعوة للاشتراك فى تلك اللجان والاستماع الى رأيه على أنه حصل على نوع من الاعتراف الرسمى بالمكانة والخبرة، ناهيك عن اعتبارات المجاملة. كذلك، قد تتعلق تلك الحساسية بالاستماع الى المعنيين بالمشكلة أو القضية محل البحث، أى المستفيد النهائى (End User)، من المواطنين وليس فقط الخبراء والتكنوقراط، حيث من المتوقع، بل والطبيعى، أن يتحول الاستماع لآرائهم الى محاسبة من جانبهم، وخصوصا إذا انتقلت فعاليات الاستماع الى مواقع الأحداث وخارج أروقة البرلمان.

أعلى الصفحة الحالية